ختمت النبوة، وبقيت الأمانة
قرأتُ اليوم قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40]
ولا شك مرّت عليّ هذه الآية مرات. وهذه المرة لم تمرّ. توقفت عندها كما يتوقف المرء أمام باب كان يظنه مألوفاً، فإذا به يفتح على ما لم يكن يتوقع. راودتني أسئلة تفوق علمي: لماذا نُفيت الأبوة هنا؟ ولماذا أُثبتت الرسالة بعدها؟ ولماذا جاء ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ في هذا الموضع تحديداً؟ ولماذا خُتمت الآية بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾
في كتب أهل العلم وجدت اجابات والمعنى الظاهر: أن الآية في سياق زيد بن حارثة رضي الله عنه، وإبطال التبنّي بمعناه الجاهلي، وتصحيح النسب. وتبيّن لي من كلامهم أن ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ نصٌّ في انقطاع النبوة بعد محمد صل الله عليه وسلم.
لكن ترتيب الآية ظلّ يسألني، وما زال. نُفيت الأبوة أولاً، لأن المقام ليس مقام نسبٍ يورّث حكماً أو عصمة. ثم أُثبتت الرسالة، لأن صلة محمد صلى الله عليه وسلم بالأمة أعلى من صلة الأبوة: صلة هداية وتشريع، لا صلة دم وميراث. ثم جاء الختم، ليُغلق باباً ويفتح آخر؛ يُغلق باب النبوة، ويفتح باب الأمانة.
هنا توقفتُ مرة أخرى. كأن الآية تنقل الإنسان من منطق الدم إلى منطق الرسالة. وما أبعد ما بين المنطقين. الأول يُورّث بلا جهد، والثاني لا يُحمل إلا بجهد. الأول يُمنح بالاسم، والثاني لا يُكتسب إلا بالعمل. الأول يُعلّق اسماً على الباب، والثاني يُحمل بالإيمان كله: قلباً يُصدّق، وسمعاً يَعِي، وبصراً يَشهد، ولساناً يُقيم الحق، ويداً تعمل، وقدماً تثبت. وهذه الجوارح التي تحمل الأمانة في الدنيا هي ذاتها التي تشهد على صاحبها يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24]. فمن حمل الأمانة بها، شهدت له؛ ومن خانها بها، شهدت عليه.
وهذا ليس معنى فردياً يُقرأ ثم يُطوى. هو معنى يمسّ كل موضع تُورَّث فيه المكانة قبل الاستحقاق، ويُستدعى فيه الاسم قبل العمل، وتُرفع فيه الراية قبل الأمانة. يمسّ البيت حين يصير اللقب بديلاً عن التربية، والمؤسسة حين يصير الكرسي بديلاً عن الكفاءة، والدولة حين يصير الشعار بديلاً عن الحق.
بعد محمد صلى الله عليه وسلم، لا يتحوّل النسب إلى منحة واستحقاق، ولا المؤسسة إلى عصمة، ولا الشعار إلى تفويض مفتوح. بقيت الأمانة: سُنَّةٌ تُتَّبع، وأمةٌ تشهد، وعملاً يُختبر في كل جيلٍ من جديد. والسُنّة هنا ليست زينة خطاب، بل امتحان صدق. تُختبر في البيت قبل المنبر، وفي حدود مسؤوليتنا قبل ساحات الجدل: عدلٌ يُقام، ورحمةٌ تُمنح، وحقٌّ يُحفظ، وكرامةٌ تُصان.
بدأتُ الآية وأنا أظن أنني أعرف معناها. ثم وجدت أنها تسألني أكثر مما أجيبها. وجدتُ أن آيةً واحدة تكفي لتوقظ سؤال الإنسان والوجود معاً: إذا كانت النبوة قد خُتمت، فمن يحمل الأمانة؟

