السوق لا يسعّر الربح… بل السيطرة
سعيد محمد بن زقر
يبلغ السوق مستويات غير مسبوقة، بينما يعيش الناس ضيق المعيشة. فبينما تجاوز مؤشر S&P 500 حاجز السبعة آلاف نقطة، يعيش المستهلك الأمريكي واقعاً مختلفاً: أجوره الحقيقية عادت إلى مستويات مطلع 2021 بعد خمس سنوات، فيما ارتفعت كلفة الكهرباء بنحو 30%، والسكن والغذاء في المنزل بنحو ربع تقريباً—وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
ما نراه ليس مرآة للاقتصاد، بل تسعيراً لقوة الشركات.
قد يُقال إن هذا مجرد أثر لعقدٍ من السيولة الرخيصة، لكن الأرقام تكشف عمق التحول: في 2015 كانت أكبر عشر شركات تمثل 19% من وزن المؤشر و19% من أرباحه. اليوم تمثل 41% من الوزن مقابل 32% من الأرباح. هذه الفجوة تعني أن السوق لا يسعّر الربح القائم فقط، بل يراهن على دوام السيطرة.
لكن كيف تتحول السيطرة إلى عائدٍ دائم؟ ليس كل من رفع السعر يملك قوة تسعير، ولا كل من كبر صار محصّناً. القوة المستدامة تُبنى على خندق واضح: أثر شبكة؛ تكاليف تحوّل؛ تحكّم في بيانات العميل؛ أو اقتصاديات حجم تخفّض الكلفة. هذه ليست لحظة عابرة؛ هذه بنية تُعيد توزيع الربح.
والسؤال: من يملك الخندق.. ومن يملك عادة؟
في السلع الاستهلاكية، نجحت شركات مثل بروكتر وغامبل لأن خندقها قائم على العلامة والانضباط، بينما تعثّرت أخرى، ككرافت هاينز، لأن قوتها اعتمدت على عادةٍ قابلة للكسر. وحتى داخل “السبعة العظيمة”، تتباعد النتائج. الحجم ليس حصانة؛ الخندق هو الفارق.
هنا يتضح التناقض الأكبر: على صعيد المستهلك، أدنى شرائح الدخل تنفق معظم دخلها على الضروريات، ومعدل الادخار يدور حول 4%. ومع ذلك تتوقع وول ستريت نمو أرباح المؤشر بنحو 13.2% في مطلع 2026—دليل على أن الرهان ليس على اتساع الطلب، بل على اتساع نصيب الشركات الكبرى منه.
لكن هذه الأدوات وُلدت في سوقٍ تنافسي. فماذا يحدث حين نستخدمها في سوقٍ مختلف؟
حين يصبح الخندق قراراً، يبدأ الجواب من “منحنى K”: ساق تصعد لمن يملك الأصول، وساق تهبط لمن يحمل الأعباء. لكن الساقين ليستا مستقلتين؛ هما نفس الحركة من زاويتين. من هذه الزاوية، الخندق ليس حصناً فقط، بل قناة نقل. الشركة لا تربح من السوق؛ تربح من فارق القوة بين طرفيه.
في تاسي، تتغير المعادلة. السوق يعمل كآلية تمويل منظّم لمشروع تنموي سيادي، لا كآلية تخصيص تنافسية لرأس المال. خندقه غالباً تنظيمي—يُبنى بترخيص وحماية، ويُكسر بقرار. الخندق التنافسي يُختبر يومياً؛ التنظيمي يُعاد تسعيره دفعة واحدة.
من هنا يميل تاسي إلى أن يكون سوق توزيع عوائد منظّمة، لا سوق نمو بالمعنى التقليدي: البنوك للإقراض، المقاولات للإنفاق، والاتصالات للامتياز. أما النمو الحقيقي—نيوم، القدية، روشن—فخارج المؤشر أو قبله. ومضاعفات التسعير لا تُقارن بأسواق متقدمة، لأن ما تسعّره تلك الأسواق ليس ما يسعّره تاسي.
الدولة تُدير منحنى K لتخفيف التباعد، لا لعكسه. لكن التخفيف يُبطئ ولا يغيّر الاتجاه. الشاب الذي يواجه ارتفاع الإيجارات، والموظف الذي تتآكل قدرته الشرائية—كلاهما في الساق الهابطة رغم الدعم.
السؤال للمستثمر لم يعد: أيّ سهم أشتري؟ بل: أيّ ترتيبٍ أراهن على استمراره؟
حين يتغيّر ذلك الترتيب، لن تحميه محفظة متنوّعة. ما ظنّه تنويعاً قد يكون رهاناً واحداً—وما ظنّه دائماً، لحظة بين قرارين.

