عندما يبدأ الركود التضخمي من حيث لا تتوقع السوق
سعيد محمد بن زقر
بينما يُسجّل مؤشر إس آند بي 500 قمته التاريخية عند 7,126 نقطة، يبدأ الركود التضخمي من حيث لا تنظر السوق – في تقارير المشتريات، وجداول انتهاء عقود التحوّط، وتمدّد آجال التحصيل، قبل أسابيع من وصوله إلى مؤشر أسعار المستهلك. المسألة ليست في السعر الورقي لبرميل النفط الذي يتداول فوق 100 دولار في العقود الآجلة، بل في السعر الفعلي الذي يدفعه المُصفّي والموزّع. وثّقت رويترز شحنة خام فورتيز المادية عند 148.87 دولاراً في 13 أبريل، في فجوة واسعة عن منحنى العقود الآجلة. السوق يُسعّر العقود، بينما الاقتصاد يدفع الشحنات. هذه هي الفاتورة التي تصل إلى ميناء جدة الإسلامي، لا تلك التي تتحرّك على شاشات نيويورك.
الصدمة لا تسلك طريقاً واحداً. مضيق هرمز كان يحمل قبل الحرب نحو 20% من النفط والغاز المسال عالمياً، وبحسب رويترز أصبحت نحو 13 مليون برميل يومياً من الإمدادات محاصرة داخل الخليج. وتُشير تقارير CSIS وArgus إلى أن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية يمرّ عبر هرمز، وثلث اليوريا تحديداً. النتيجة وفق بيانات رويترز: اليوريا ارتفعت 30%-40% بحلول 20 مارس، ثم تضاعف سعرها تقريباً إلى نحو 1,000 دولار للطن بحلول 17 أبريل. وبحسب بيانات USDA، تمثّل الأسمدة نحو 35% من تكاليف تشغيل محاصيل مثل الذرة والقمح. ما يبدأ كصدمة طاقة ينتهي صدمةً في العلف، ثم في اللحوم والألبان والبيض والخبز. حتى الألمنيوم، وفق رويترز، بلغ أعلى مستوى في أربع سنوات عند 3,672 دولاراً للطن في 16 أبريل، بعد ضربات على مصاهر الطويلة والبحرين. كل ما هو مُعلّب أو مُغلّف أو مبنيّ أصبح أغلى.
آلية الانتقال ميكانيكية. كثير من المصانع كانت قد حوّطت انكشافها للطاقة في السنوات الماضية عند مستويات أدنى بكثير من الأسعار الحالية. هذه العقود تنتهي تباعاً. حين يسقط درع التحوّط، تُعاد تسعير المدخلات دفعةً واحدة: المصنّع يمرّر ما يستطيع، وتاجر الجملة يمتصّ ما يضطر إليه، ومنافذ التجزئة تقاوم من الطرفين.
لكن الضغط لا يحطّ بالتساوي. الأضعف ليس تاجر الجملة، بل المورّد الصغير والمتوسط. بحسب تقرير USDA لتجارة التجزئة الغذائية السعودية لعام 2024، تستحوذ خمس سلاسل – بنده، العثيم، التميمي، بن داود، دانوب – على أكثر من 80% من سوق قيمته 50 مليار دولار. في الصيدليات، بحسب بيانات Euromonitor، يمثّل النهدي والدواء وحدهما أكثر من نصف السوق. المورّد يبيع لمشترٍ يمثّل خُمس السوق بمفرده، ويشتري من موردي مواد أوّليّة يسعّرون بالسعر الفوري. حين تُغلق هذه المقصّات، يُدفع المورّد الصغير والمتوسط إلى الخروج.
وهنا يتحوّل السؤال من: كم سيصبح سعر النفط؟ إلى: كم مورّداً سيبقى؟ هذا تحوّل من تحليل الأسعار إلى تحليل بنية السوق، ومن دورة قابلة للتصحيح إلى إعادة تشكيل دائمة. خروج المورّد ليس انكماشاً مؤقتاً في الطاقة الإنتاجية يعود حين تنفرج الأسعار؛ هو خروج من السوق. الحصص تنتقل إلى الكبار، والبنية تتغيّر، وما يخرج دورةً واحدة لا يعود. النتيجة: تركّز أعمق، وقوة تسعير أعلى لدى من يبقى. والموجة الثانية من التضخم قد يكون مصدرها ليس الطاقة، بل قلّة المنافسة ذاتها.
هنا تتقاطع الأزمة مع فجوة التمويل التي قدّرناها بنحو 36 مليار ريال سنوياً، أي 18% من ميزانية التعليم. السايبور لثلاثة أشهر، وفق بيانات البنك المركزي السعودي، كان عند 4.85% في يناير 2026، قريباً من ذروته التاريخية. إذا بقي عند هذه المستويات، وأُعيد تسعير المدخلات صعوداً، وامتدّت آجال الذمم، فإن الفجوة تتّسع ميكانيكياً. وهذه ليست فجوة سيولة، بل فجوة بقاء. الأدبيات من كيليان إلى بلانشارد تقول إن صدمات النفط اليوم تنتقل بسرعة ثم تتلاشى. لكن هذه النماذج تقيس المتوسط. المشغّل يعيش التوزيع. صندوق النقد الدولي في سيناريوهاته المرجعية الصادرة في أبريل 2026 يرى تضخماً عالمياً عند 4.4% ونمواً عند 3.1%، أرقاماً كليّة تطمس حدّة ما يجري داخل كل شركة ومصنع ومورّد. داخل هذا المتوسط الناعم، تحدث صدمات سُلّم حقيقية: عقود تنتهي في أبريل، وأسعار تُعاد في يونيو، ومورّد يفلس في سبتمبر.
هذه هي الفجوة بين الاقتصاد الورقي والاقتصاد الفعلي. الركود التضخمي ليس في العناوين؛ إنه في الموانئ والمستودعات وحقول القمح وجداول انتهاء العقود. والسوق، كعادته، سيكون آخر من يكتشف أن النظام قد تغيّر ليس فقط على مستوى الأسعار، بل على مستوى من تبقّى في السوق أصلاً.

