قبل الجائحة القادمة: لنبنِ الخطة الآن
سعيد محمد بن زقر
في صيف 2020، اتصل بي صديق من القاهرة. والده، في السبعين من عمره، أصابته جلطة في المنزل. الإسعاف لم يصل. المستشفى القريب أُعلن “مخصصاً لكوفيد”. مات في غرفته بعد ساعتين. لم يُحسب في إحصاءات الوباء، لأنه لم يكن مصاباً به. لكنه مات في ظلّها.
هذه ليست قصة فردية معزولة. في 2022، قدّرت دراسة منشورة في The Lancet الوفيات الزائدة عالمياً خلال عامي 2020 و2021 بنحو 18.2 مليون وفاة، مقابل 5.9 مليون وفاة رسمية مسجلة لكوفيد. وحتى تقديرات منظمة الصحة العالمية الأقل، عند نحو 14.9 مليون، تقول الشيء نفسه: كان هناك ملايين ماتوا خارج العنوان الرسمي للوباء. هؤلاء هم الظلّ الذي لم يدخل نشرات الأخبار: جلطة لم يصلها إسعاف. ورم لم يُشخّص في وقته. أمّ تأخّرت رعايتها. طفل فاته تطعيم. عامل يومي خسر دخله قبل أن يخسر صحته.
لا أكتب هذا لمحاكمة الماضي. أكتبه لأن تكرار الإغلاق الشامل، سياسياً واجتماعياً، صار أصعب بكثير. السؤال الجاد لم يعد: هل كان الإغلاق صحيحاً أم خاطئاً؟ بل: حين تأتي الجائحة القادمة وستأتي ، فبأي أداة سنواجهها؟ اقتراحي بسيط: نبني من الآن خطة وطنية جاهزة، لا نرتجلها تحت الخوف.
أولاً، سجل وطني طوعي للفئات عالية الخطر: كبار السن، أصحاب الأمراض المزمنة، ومن يعيشون في مساكن مكتظة. من يختار الحماية المسبقة، يجدها جاهزة: دعم مالي، توصيل غذاء ودواء، رعاية منزلية، ومساكن حماية مؤقتة لمن لا يستطيع العزل داخل بيته. لا إكراه لمن لا يريد، ولا ترك لمن يحتاج.
ثانياً، استجابة متدرجة بدل الثنائية القاتلة: إغلاق أو لا إغلاق. أربعة مستويات إنذار معلنة مسبقاً، مرتبطة بمؤشرات واضحة: الوفيات الفعلية، إشغال العناية المركزة، سرعة الانتشار، وقدرة النظام الصحي. كل مستوى له إجراءاته، ومدته، وحدوده.
ثالثاً، تعهّد مسبق بعدم تعليق خدمات السرطان والقلب والأمومة والتعليم الحضوري إلا في أضيق الحدود. هذه ليست خدمات جانبية. هذه هي الحياة التي خسرها الناس في الظل.
رابعاً، حوكمة مستقلة: لجنة علمية معلنة، وقرار إداري سياسي قابل للمراجعة، وأي تقييد واسع لا يُمدد إلا بمراجعة دورية وشفافة. الخوف لا يجوز أن يصبح شيكاً مفتوحاً.
الخليج تحديداً يستطيع بناء هذا النموذج قبل غيره. لدينا البيانات الصحية المركزية، والقدرة المالية، والبنية اللوجستية، وتجربة “صحتي” و”توكلنا” وما يشبههما. ما ينقصنا ليس الإمكانات، بل قرار أن نستعد في الهدوء قبل أن نُدار بالذعر.
لقد علمتنا التجربة أن السياسة الحكيمة التي تنتهجها الدولة لا تُبنى وقت الأزمة. تُبنى قبلها. ووالد صديقي، وملايين من أمثاله، يستحقون أن نتعلّم.

