كُتب رزقك… فلا تستعجله

سعيد محمد بن زقر كاتب في الشأن الاقتصادي

صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الرزق يُكتب على العبد وهو في بطن أمه، فلا تستعجلوه بحرام، فإنّ الذي قسمه لكم أقسم على وعده فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 22-23]

أتألم من داخلي حين أرى إنساناً يخاف الله ولا يريد الحرام، ثم يقع فيه لأنه قيل له: “المنتج مجاز شرعاً”. المشكلة ليست في خوفه من الله؛ المشكلة أنه سلّم عقله وضميره لعبارة مطمئنة، دون أن يسأل: ما حقيقة هذا الاستثمار؟

ولستُ هنا في مقام الفتوى، ولا أتقدّم على أهل العلم. أنا رجل يكتب من تجربته، ويعرض ما رآه ليتأمله القارئ بنفسه ويسأل أهل العلم.

قبل سنوات، دخل عليّ مدير علاقة من أحد البنوك يعرض استثماراً قصير الأجل في “السلع”. قال: الربح مضمون والنسبة مغرية. سألته: كيف يكون الربح مضموناً في سوق السلع، والسلع ترتفع وتنخفض؟ قال: عندنا فتوى، والمنتج مطابق للشريعة. قلت: هذا ليس سؤالي. كيف يُضمن العائد؟ وبعد أخذ ورد، فهمتُ أنّ المنتج في حقيقته يستند إلى عقود مشتقات على العملة، وأنّ السلعة فيه أقرب إلى الغطاء الشكلي منها إلى المقصود الحقيقي. عندها فهمت أن الاسم شيء، والحقيقة شيء آخر. ثم تدور الأيام، وتأتي قصة أخرى من باب آخر.

يرحل أبي وأمي إلى الحق، رحمهما الله، ويكلفني إخوتي ببعض أمور التركة. ثم يأتي مصرف ويعرض على بعض الورثة صندوقاً يُقرض شركات لمدة محددة، ويدفع توزيعاً شهرياً مرتبطاً بسعر الفائدة المتغيرة، مع ضمانات محدودة. وبكلمات أبسط كما فهمته: مال يُقرض، وزمن يمر، وزيادة تُدفع، وهي ما يُسمّى في عُرف اليوم فائدة. هذا التكييف إن صحّ فهمي، يستوجب التوقف والسؤال، لأنّ القاعدة عند أهل العلم أنّ كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا.

وأنا لا أعمّم، ولا أخالف العلماء، ولا أطعن في أي وكل لجنة شرعية. فصناديق الدَّين ليست كلها على نَسَق واحد: منها ما يقوم على الإقراض الصريح بفائدة، ومنها ما يُهيكل على صيغ شرعية كالمرابحة والإجارة والصكوك، ومنها ما يجمع بين الصورة الشرعية والحقيقة الربوية. والحكم في كل منتج بعينه إلى أهل العلم، لا إليّ. وفي اللجان الشرعية رجال يخافون الله ويجتهدون، لكن الفتوى ليست ورقة تسويق تُلصق على منتج لتمريره، والمسؤولية لا تنتقل من المستثمر إلى اللجنة بمجرد التوقيع. أنت من سيُسأل عن مالك، لا الموظف الذي عرضه عليك، ولا اللجنة التي أجازته.

والسؤال الذي يجب أن يفهمه كل أب وأم ووارث هو: هل هذا المال يدخل في تجارة حقيقية تحتمل الربح والخسارة؟ أم هو قرض يعود بزيادة بسبب مرور الزمن؟ فإن أشكل الجواب، فليُسأل أهل العلم المعروفون بالورع والتحقيق، لا من يعرض المنتج، فإنّ الخصم لا يكون حكماً.

المال الحلال ولو قلّ فيه بركة. والمال المشبوه ولو كثر يترك في القلب خوفاً. ولا ينبغي أن نضع بيننا وبين الله عرضاً تجارياً أو ورقة لا نفهمها.

وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به.”

ومن وقع في شيء من ذلك من حُسن نيّة، فالباب مفتوح، والتوبة قريبة، والله أرحم بعباده من أنفسهم، وقد فتح لهم باب الخروج بالتوبة وردّ ما يجب ردّه إلى أصله. رزقك لن يفوتك. فلا تطلبه من باب تخاف أن تُسأل عنه يوم يقول الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى