سابقوا إلى معارج النور: رحلة القلب نحو مغفرة الله
سعيد محمد بن زقر
في عالم يسابق فيه الناس الزمن نحو الحصول على متاع الدنيا، تهب علينا نفحات القرآن لتعيد تشكيل أولوياتنا ولتصويب تفكيرنا وتبنينا لمعاني السبق العميق. او الاستجابة لقول الله جل جلاله: ﴿سَابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾. فما أبلغها من دعوة، وما أسمى غاياتها! وهي دعوة ليس سبقاً يتفرد فيه المنتصر وحده بالكأس، بل سباق يتيح لكل متسابق الفوز ويزداد المضمار شرفًا بكثرة الساعين. وتلك الفلسفة القرآنية تملأ القلب رجاء وروحًا ومعنويات، وتبث في النفس اليقين بأن معنى الحياة أوسع من أن يحبس في مضمار منافسة الدنيا الضيّق.
لقد وقفت طويلاً أمام كلمة “سابقوا”. في أعماقها، كما هي أخلاق التزكية والربانية، استنطاق لمكنون الإنسان الفطري. ووجدت أن السبق هنا ليس ضد أحد من البشر، بل سعي نحو غايات كبرى؛ وسباق صوب المغفرة أولاً، لأنها هي المفتاح الأصيل للرضا الإلهي، ثم إلى استحقاق جنة لا يُحد أفقها ولا تُقاس حدودها، جنة وسّعها الرحمن لكل سابق وساعٍ. وفي كنف هذه الكلمة، وبين ظلالها ، تنظر فلا ترى حسدًا ولا ضغينة، بل تجد نفوسًا تتآلف، وتتحابب وكل منها ينشد الأعلى ويقصد التسامي في مدارج السلوك ولكنه يسعد بأن يسبقه إخوانه، وينهض إذا سبقهم، فيرفعهم معه.
يقول أهل العربية : إن الفرق بين “سارعوا” و”سابقوا” أن الأولى حثٌ على العجلة، والثانية تجسد التنافس النبيل. فعندما أرى المسلم يتحمس في كفالة يتيم، أو في العطاء، أو في تلاوة القرآن، أرى في قلبه جذوة “سابقوا” حية، ويجد في منافسيه خير رفقة للارتقاء. تأمل سيرة نبينا —صلّ الله عليه وسلم— كيف كان إذا سبقه أصحابه إلى خيرٍ شكرهم وبارك فعلهم، ثم مضى يحثهم لسباق جديد، فكانوا كمنبع لا ينضب للمآثر.
السياق الذي يحبه الله وهو عندما تتسابق النفوس في ميادين النفع والإحسان: انه تنافس في العلم والعطاء والإحسان دون أن يتمنى أحدهم حرمان غيره من فضل الله، بل يفرح إذ رأى غيره السابق، ويسعى في إثره. هذه روح “الربانيين”، من نفحهم القرآن بضياء السبق لا بظلام الأنانية.
اليوم، ما أحوجنا إلى أن نستعيد في واقعنا هذا المعنى الحضاري؛ فنسابق الوقت والطموحات الدنيوية كي نسبق إليها بأعمال الخير. لنحيي في أسرنا ومجتمعاتنا حلم “السبق” نحو ما يُرضي الله، فيكون يومنا أكبر من مجرد إنجاز شخصي، بل لبنة في بناء الروح المسابقة للجنة والمغفرة — هناك والله الفوز الكبير
ولهذا حين يهمس القرآن في قلبك: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾، اعلم أن السبق ليس لمنفعة ذاتية، بل تسابق لترتقي بروحك إلى مراتب الكمال ولتدفع مجتمعك للخير. وقد قال تعالى : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) والمراد جنس السماء والأرض ، وقال في الآية الأخرى : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) [ آل عمران : 133 ] . يقول ابن كثير وقال ها هنا : ( أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) أي : هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم، وفي الصحيح: أن فقراء المهاجرين قالوا : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم . قال : ” وما ذاك ؟ ” . قالوا : يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق ، ويعتقون ولا نعتق. قال : ” أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ” . قال: فرجعوا فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ، ففعلوا مثله ! فقال رسول الله – صلّ الله عليه وسلم- : ” ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء “
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل السبق إلى جناته.
