’إنما أمره’
سعيد محمد بن زقر
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: “إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون”. يقول المفسرون إن هذه الآية تبرز قدرة الله المطلقة وحكمته التي لا يعتريها نقص أو ضعف، بان أمره نافذ في الكون كما هو نافذ في الهداية وحفظ الدين. وبهذا التصور الإيماني نستطيع أن نبني يقيناً راسخاً بأن الله لم يحفظ كتابه فقط، بل حفظ الذكر الذي يشمل معاني السنة النبوية أيضاً.
وتأكيداً لذلك نقف على دلالة قول الله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ)
يعلق العلماء على الآية الكريمة بانها تُنزِّه النبي ﷺ عن أن يكون شاعراً، وتربط بالوضوح بين الذكر والقرآن: “إن هو إلا ذكر وقرآن مبين”. وهنا نجد أن الله قدم الذكر قبل القرآن، وكأن الذكر مظلة تحتها القرآن وكل ما جاء عن النبي ﷺ بوحي من ربه، ومن ذلك السنة النبوية الصحيحة. فهل يؤمر العقلاء أن يأخذوا القرآن وحده ويتركوا الذكر وهو أصل البيان؟
طاعة الرسول واتباع السنة في القرآن العظيم
ان القرآن في أكثر من ثلاثين مرة يأمر بطاعة الرسول ﷺ واتباع سنته وعدم التقديم بين يديه. وأبرز الآيات هي :
• “وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا”
• “من يطع الرسول فقد أطاع الله”
• “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول” في مواضع كثيرة.
بل صرّح القرآن أن محبة الله لا تثبت لعبد إلا إذا اتبع النبي ﷺ: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”.
كما وصف الله النبي بأن ما ينطق عن الهوى: “وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى”. وهذه النصوص لا تدع مجالاً للشك أن السنة النبوية جزء لا يتجزأ من الدين وأن كل ما أمر به النبي وطريقته هو من الدين الواجب الاتباع عليه.
ومن المعلوم أن السنة بيان للقرآن
قال تعالى: “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم”. فوضع “الذكر” عنواناً عاماً، وجعل البيان وظيفة الرسول. وبهذا نفهم أن السنة النبوية هي التطبيق العملي والتوضيح التفصيلي لكل ما اشتمل عليه القرآن من أحكام ومقاصد. وان الصلاة والصيام والزكاة والحج وأركان الإسلام كلها جاءت مجملة في القرآن وفُصِّلَت بالسنة.
حفظ الله للسنة النبوية
قال الله: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”. والمقصود بالذكر هنا القرآن والسنة كما ثبت عند كثير من أهل العلم. فختم النبوة استوجب أن يتولى الله بنفسه حفظ تعاليم النبوة: جمع الصحابة حديث النبي وحرصوا عليه، ثم جاء التابعون والأئمة فدونوه بقواعد دقيقة، ثم جاء علم الحديث الذي لم يعرف له التاريخ مثيلاً في أي تراث بشري.
نصف الدين يأتي من السنة
من المستحيل إقامة الشريعة كاملة وفهم نصوص القرآن دون الرجوع إلى السنة؛ فهي تفسر القرآن وتقيده وتخصصه وتأتي بتشريعات لم ينص عليها القرآن نصاً صريحاً. مثال ذلك: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها مما انفردت به السنة. إذاً، السنة تأتي بنصف الدين، بل هي في مواضع كثيرة بيان الدين كله.
إضافة هامة في ضوء التاريخ
من الجدير التأكيد عليه أن الصحابة والتابعين، وهم الجيل الذي عاش مع النبي ﷺ أو تلقى عن أصحابه مباشرةً، لم يكن بينهم من طعن في السنة أو أنكر وجوب اتباعها أو أنكر حجيتها. بل كان إجماعهم وأقوالهم وسلوكهم العملي دالاً على الاستماتة في حفظ السنة وتبليغها والتثبت منها. وقد ظهرت بوادر الإنكار أول مرة فرادى كنزعات فردية، لكن لم تظهر “فرق” أو حركات منظمة تنكر السنة إلا بعد مضي زمن طويل من وفاة الصحابة والتابعين. وأشهر جماعة أنكرت السنة كفرقة هم “القرآنيون”، ولم يظهروا إلا بعد قرون عديدة في الهند ثم انتشر فكرهم حديثاً في بعض البلدان، بينما لم يكن لهم أصل في عصر الصحابة أو السلف الصالح. وإذًا فالتشكيك في حفظ السنة أو حجيّتها من الأمور المحدثة المردودة بما أجمع عليه أهل القرون المفضلة.
وخلاصة القول: قدرة الله المطلقة تتجلى في قوله: “إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون”. وانه لا يعقل أن يُحفظ جزء الدين – القرآن – ويترك الجزء الآخر – السنة – للضياع والنسيان، خاصةً وأن الله هو الذي أوحى بهما إلى نفس النبي، بنفس الخطاب، وأمرنا جميعاً أن نأخذ ما أتى وننتهي عما نهى. فالسنة النبوية شطر الدين وبيانه، وهي محفوظة بحفظ الله، وليس في القرون الأولى من الصحابة والتابعين من طعن في حجيتها أو تهاون في اتباعها؛ فالطعن في السنة وظهور المنكرين لها لم يبدأ إلا بعد تلك العصور الزاهرة، فتبقى السنة واتباعها من موجبات الإيمان والنجاة من الزلل والخذلان والضلال.
