روحٌ تفرجُ همًّا وتُنهِضُ عملًا
هذا المقال من وحي الخيال، افترضت ان الامام الغزالي حي بيننا وطلبت منه ان يكتب عن زمنٍ تتكالب فيه الهمومُ على القلوب كما تتزاحمُ الأيدي على سلعٍ شحيحـة، وتساءلت هل يمكن أن يكون صوت كاتب الشطور وصوت الامام الغزالي رغم انهما من قرنين متباعدين هل يمكن لهما أن يعزفا معاً لحنًا واحدًا: اي دمج صوت الإمام الغزالي الذي أفنى عمره في تهذيب الباطن وتزكية السلوك، وصوت التاجر المعاصر الذي تعلّم من مدرسة أجداده أن استقامة السوق لا تنفصل عن استقامة الضمير. والموحِّد بين الصوتين هو حديثٌ شريفٌ كريمٌ وكلمةٌ مأثورةٌ لعليٍّ -رضي الله عنه-، وحديثُ الواقع الذي يئنّ تحت وطأة الأزمات الأخلاقية والاقتصادية.
أولًا: الحديثُ والقاعدةُ النبوية في رفع الهمّ. روى الترمذي عن أُبيِّ بن كعب أنّه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «أجعلُ لك صلاتي كلَّها؟» قال: «إذًا تُكْفَى هَمَّكَ ويُغْفَر ذَنْبُكَ». فمفتاحُ تفريج الكروب في هذا الحديث هو الإكثار من الصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ إذ تتحوّل كلماتُ المحبّة إلى حوالةٍ ربانية تُسدَّد بها ديونُ الهموم وتُطوى بها صحائفُ الذنوب. وقال عليٌّ -كرم الله وجهه-: «إنّ الهمَّ أقوى خَلقِ الله، فمن كُفِيَ هَمَّه وغُفِر ذنبُه فقد أُعطيَ أعظمَ النِّعَم». فهو يشير إلى أن الهمَّ جندٌ من جنود الله يُؤدّب به الأرواحَ حتى تفيءَ إلى باب ربّها؛ فإذا انقشع بسُبحةٍ أو صلاةٍ على النبيّ تجلّت القدرةُ الإلهية في أبهى مظاهرها.
فما هو موقع التسبيح والنوافل من عملية التفريج. لا شك أن لا التسبيح ولا النوافلُ كلماتٍ تُتلى بتراخٍ وجلوسٍ إلى الكسل، بل هما عملٌ قَلبيٌّ وجوارحيٌّ يخرق به العبدُ حصار الهم فيشقّ طريقه إلى الله؛ «التسبيح نعمةٌ من الله وعِلاجٌ روحيٌّ للقلق والاكتئاب»، ومن داوم على ركعاتٍ بعد الفريضة أو أوتر في جوف الليل وجد أثرها في صفاء الصدر وقوة الإرادة. ومن الأدب الغزالي أن «الطريق لا يفتح بمجرد النظر في الكتب، وإنما يُفتح بصدق المجاهدة»؛ فلا يكمل تسبيح ولا نافلة ما لم يصحبهما إجهاد نفسٍ في مراقبة الخاطر وضبط العمل.
ثانيًا: منزلة الحبّ بين الله ورسوله والعمل. جاء في حديث أنس: «لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». وبيّن الغزالي أن محبة الله طريقُها محبةُ الرسول، ومحبةُ الرسول صورتها الاتباع؛ فما مِن طريقٍ إلى الله إلا من باب سنّة نبيه. وهذه المحبة لا تقف عند العاطفة؛ إنما تُثمر مكارمَ الأعمال. فمن أحبَّ أطاع، ومن أطاعَ أفلح. وهنا يطلُّ صوت رجل الأعمال؛ إذ يقرّ كاتب السطور بأن وصية جده له «التمسك بكتاب الله والوفاء بالعهد وإيتاء الأجير أجرَه قبل أن يَجفَّ عرقُه» وهي السِّر في استقامة التجارة. وإنّ سوقًا يُدار بالحبِّ الصادق لله ورسوله يترجم هذا الحبَّ عدلًا في الميزان، وأمانةً في التعامل، ورقابةً ذاتية تغني عن سطوة القوانين.
ثالثًا: الذِّكر المحفوظُ وعصمة السنّة من طعن الطاعنين يكثر في عصرنا من يشكّك في الأحاديث الصحاح، ويزعم أنّ الله لم يتكفّل إلا بحفظ القرآن. والجواب الشافي هو : أن «الوحيَ كلَّه ذِكرٌ محفوظٌ بنصّ الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾». قال ابن حزم: «كلامُ النبي صلى الله عليه وسلم كلُّه وحيٌ محفوظٌ بحفظ الله»، لأن السنّة بيانُ القرآن وحفظُ البيان من ضروريات حفظ المبيَّن. فمن طعن في الصحاح فقد طعن في الذكر كلّه، وناقض وعدَ الله بالحفظ. إن الغزالي رأى في عصره انحرافًا «حيث شُغِل الناسُ بصور العلم عن حقيقته»، واليوم يتجدد الانحراف حين يُستبدل صحيح السنّة بشبهاتٍ مفخخة على وسائل التواصل. والدواء واحد: عودةٌ إلى ميزان المحدِّثين الأثبات، وعملٌ بالعلم يورث نورًا يدفع ظلمة الشبهات.
رابعًا: من التنظير إلى التطبيق: الاقتصاد عبادةٌ إذا صلحت النية يرى ابن زقر أن «خلق الوظائف لا يتمّ إلا بنموّ الشركات العائلية مع حوكمةٍ تحصّنها من التفكك». ويوافقه الغزالي حين جعل في إحياء علوم الدين كتاب «آداب الكسب والمعاش»، مؤكدًا أن طلب الرزق فرضٌ بعد الفرائض، وأن فساد السوق من فساد القلب.والتسبيح والنوافل رأس مالٍ معنوي يمدّ التاجر بالشجاعة على المخاطرة الحلال، ويطفئ نار الطمع. وان الصلاة على النبي استجلابٌ للبركة في الميزان والمعادلات المالية؛ لأن من صلّى عليه صلواتٍ، صلّى الله عليه وبارك رزقه. وان محبة الله والرسول تتحوّل إلى حوكمة داخلية تلزم صاحب القرار بشفافية الحسابات، كما تلزم الكاسب البسيط بصدق البيان.
خامسًا: نعمتان متلازمتان: كفايةُ الهمّ وغفرانُ الذنب ذهب جيلٌ من العصاميين إلى الأسواق، وأسلحتهم: تسبيحةٌ، وصلاةٌ على النبي، وصلاةُ فجرٍ وعصرٍ في جماعة؛ أي «البَردان». فرفع الله عنهم ضيق المعاش وغفر لهم بالتزامن؛ لأن الهمَّ والذنب توأمان: أحدهما يُقلق القلب، والآخر يُثقّل الصحيفة. فإذا اجتمعت الوسائل الثلاث -ذكرٌ، وصلاةٌ على النبي، عملٌ صالح- رزق الله كفاية همٍّ وغفران ذنبٍ كليهما معًا؛ مصداقًا للحديث المذكور وحديث «من صلّى البردين دخل الجنة».
سادسًا: وصايا إلى المكلفين على الأعمال العائلية إلى القائمين على الشركات العائلية الذين يحدّدون السياسات ويضبطون الثروةَ للأجيال الجديدة: اكتبوا «ميثاق العائلة» كما تُكتب النوايا في الصحيفة؛ فهو عهدٌ عند الله قبل أن يكون عند الموثق. قدّموا رأس المال الروحي على رأس المال النقدي؛ فما عجز ميزانُ شركةٍ إلا يوم خوت موازينُ قلوبِ أصحابها من التسبيح والصلاة على النبي. واجعلوا حبَّ الله ورسوله بندًا في النظام الأساسي؛ ليظهر في عدالة الأجور وشفافية القوائم المالية. احفظوا الأحاديث الصحاح في مجالس الإدارة؛ فمن ردّ حديثًا صحيحًا احتقارًا حجبه الله عن توفيقه في أموال الدنيا. ذكّروا الجيل الخامس والسادس بأن «الهمّ أقوى خلق الله»، وأن علاج الهمّ ليس في مزيد توسعٍ بلا حدود، بل في استثمارٍ يبدأ بوردة صلاةٍ على سيد الوجود وينتهي بمحاسبةٍ للنفس قبل كشوف الحساب.
وخلاصة القول: طريقٌ واحدٌ إلى السعادة الدنيوية والأخروية. يقول الغزالي: «العلم بلا عملٍ جنون، والعمل بلا علمٍ لا يكون». ويقول سعيد بن زقر: «الابتكار أكسجين التجارة، وما زلت أتعلّم من مدرسة جدي». والسر في هذا الاشتراك أن كليهما فهم معادلة الحديث: صلاةٌ على النبي = كفايةُ همٍ + مغفرةُ ذنب. فإذا ضمّ إليها تسبيحًا ونوافلَ وحبًّا صادقًا لله ورسوله انقلب الهمُّ قوةً دافعة، والذنبُ صفحةً بيضاء، وصار السوقُ منارةً للأخلاق، وصار القلبُ جِنانًا في الدنيا قبل جنان الآخرة.
فيا أيها القارئ، إن ضاق صدرك فاستكثر من الصلاة على النبي، وإن احلولكَتْ حولك الأزمات فسبّح بكرةً وأصيلًا، وإن التبست عليك الشبهات فاستمسك بالصحاح، وإن أردتَ بركة الرزق فحرّك النية وحوكمةَ تجارتك بمحبة الله ورسوله. وبشراك: ان الله سيكفى همك ويغفر ذنبك، ويُكتب لك -في دفتر السماء- أنك أقمتَ الصلة بين القول والعمل، وبين الدين والدنيا؛ فصرتَ من «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» كما أراد الله ورسوله. اللهم صلِّ على محمدٍ عددَ ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، واكتب لنا ولأهلنا ولمكلفي أعمالنا كفاية الهموم ومغفرة الذنوب، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه. ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
