تحديات القطاع الصناعي وارتباطها بمشكلة البطالة في المملكة
سعيد محمد بن زقر
أظهرت تقديرات مسح القوى العاملة للهيئة العامة للإحصاء السعودية للربع الأول من عام ٢٠٢٥، تسجيل معدل البطالة الإجمالي للسعوديين وغير السعوديين نسبة 2.8% وهو أدنى مستوى له على الإطلاق، مسجلا انخفاضا بمقدار 0.7 نقطة مئوية مقارنة بالربع الرابع من عام 2024م، وانخفاضا سنويا بنفس المقدار 0.7 نقطة مئوية مقارنة بالربع الأول من عام 2024م.
وبلغ معدل البطالة للسعوديين 6.3% في الربع الأول من 2025م مسجلاً أدنى مستوى تاريخي له، وبانخفاض مقداره 0.7 نقطة مئوية مقارنة بالربع الرابع من عام 2024م، وبانخفاض سنوي بمقدار 1.3 مقارنة بالربع الأول من عام 2024م، وفق تقديرات الهيئة.
مع ذلك وبحكم صلتي بالقطاع الصناعي وقد كنت مثلاً له في مجلس إدارة الغرفة التجارية في دورة ٢٠١٤ فان التحديات التي تواجه القطاع تتعلق
بتوطين الوظائف الفنية ذات الطابع “اليدوي”. وتتجلى هذه الظاهرة في المصانع التي تعمل في قطاع السلع الاستهلاكية بالسعودية. وهو ما يجعل التحديات التي يواجهها هذه الصناعة من نوع مختلف. ويجعل تعريف البطالة متعدد وفقاً لمفهوم البطالة الواسع في المملكة.
ولهذا يمكن إجمال التحديات الرئيسية التي تواجه المصانع السعودية التي تصنع المواد الاستهلاكية في الاتي:
• صعوبة استقطاب العمالة الفنية المحلية: لان اغلب المصانع تنجح في استقطاب الكفاءات السعودية في الوظائف الإدارية والهندسية والإشرافية، لكنها تواجه صعوبة في إيجاد عمالة سعودية مؤهلة للوظائف الفنية اليدوية بسبب العرض المحدود والمنافسة الشديدة مع قطاعات النفط والغاز التي تقدم مزايا مادية أعلى وفرصًا أكثر جاذبية.
• منافسة قطاعات أخرى: لا شك أن قطاع الطاقة النفطية يُعتبر أكثر جذبًا للشباب السعودي بسبب الحوافز المالية والاستقرار المهني، إضافة إلى السمعة الاجتماعية لتلك القطاعات مقارنةً بالوظائف الصناعية.
• الفجوة في التدريب المهني: رغم وجود شراكات مع الكليات التقنية، إلا أن حجم الطلب على الكفاءات الفنية في الصناعة يتجاوز حجم المعروض الحالي من الكليات والمعاهد المتخصصة.
• العزوف الاجتماعي: هناك نظرة دونية لبعض الوظائف الفنية، ما يدفع الكثير من السعوديين لتفضيل العمل الحكومي أو القطاعات المرموقة اجتماعيًا.
ومن جهة أخرى فان معدلات البطالة وتفاوتها بين المناطق من التحديات التي يواجهها القطاع. فكما تمت الاشارة في مستهل هذا المقال فإن البيانات الرسمية تشير إلى انخفاض معدل البطالة بشكل عام على المستوى الوطني ليصل بحمد الله بين السعوديين إلى نحو 6.3% في الربع الأول 2025، إلا أن هناك تفاوتًا واضحًا بين المناطق:
• مناطق ذات بطالة مرتفعة: كمنطقة الحدود الشمالية بمعدل 5.1%.
• مناطق منخفضة البطالة: الرياض (1.4%) والمنطقة الشرقية (1.9%)، وهذا قد يشير إلى وجود جيوب فيها البطالة المرتفعة في مناطق محددة رغم التحسن العام.
ومن جهة تعريف مفهوم البطالة الواسع في السعودية، فإن التعريف الرسمي للبطالة يعتمد كما هو الحال في كثير من البلدان على معايير منظمة العمل الدولية، لكنه لا يشمل كل من يسجّل كـ”باحث عن عمل” في قواعد البيانات الحكومية، بل فقط من لا يعمل ويبحث فعليًا عن عمل. لهذا:
• هناك فئة كبيرة من الشباب تُحتسب خارج دائرة العاطلين رسميًا رغم أنهم لا يعملون، مثل من يبحثون عن وظائف أفضل أو من يعملون بأعمال مؤقتة/جزئية.
• التعريف الواسع للبطالة يفتح الباب أمام سياسات أوسع لاستيعاب هذه الفئات بفرص تدريب وتأهيل تتماشى مع سوق العمل.
ولهذا السبب فإن هناك ضرورة للربط بين التحديات الصناعية والبطالة. اذ
تمثل صعوبة توفير عمال مهرة سعوديين في المصانع أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الاعتماد على العمالة الوافدة، رغم توجه الدولة للـ”سعودة” والتوطين. ويزيد من ذلك العزوف عن العمل اليدوي وعدم كفاية البرامج التدريبية والتأهيلية الموجهة لاحتياج السوق الصناعي.
والسؤال الذي يطرح نفسه ما هي اذن الحلول المقترحة للقطاع العام لمعالجة الإشكالية التي تواجه القطاع الصناعي.
• إطلاق برامج دعم مالي للوظائف الفنية الصناعية: وذلك بتقديم حوافز وبدلات جديدة تجعل العمل اليدوي الصناعي أكثر جاذبية، أسوة بما يحدث في قطاع النفط والغاز.
• إصلاح وتفعيل المسارات المهنية التقنية والتدريبية: من خلال الربط المباشر بين الكليات الفنية واحتياجات المصانع عبر التدريب المنتهي بالتوظيف، مع مواءمة المناهج وتطوير البنية التحتية التدريبية بالمناطق التي تعاني من بطالة مرتفعة.
• حملات تغيير الصور النمطية: ويتم ذلك بإطلاق حملات إعلامية تستهدف تغير نظرة المجتمع للعمل الفني والصناعي، وتوضيح الفرص للتطور المهني في هذا المجال.
• توطين الوظائف بناء على احتياج المناطق: وضع سياسات تفصيلية لتوطين الوظائف الصناعية في المناطق الأعلى بطالة، مع أولوية الاستثمار الحكومي في هذه المناطق.
• تبنّي تعريف البطالة الواسع في صياغة السياسات: وذلك عبر توجيه مبادرات التوظيف لتشمل كل الفئات الباحثة عن عمل مهما كان وضعهم في السجلات الرسمية، لتعظيم الاستفادة ورفع معدلات المشاركة الاقتصادية خاصة بين النساء والشباب.
وخلاصة القول ان تحديات توطين الوظائف الفنية في مصانع المنتجات الاستهلاكية ومنها مصنع بن زقر يونيليفر الذي يعد أحد أهم واقدم المصانع في جدة، نموذجًا مصغّرًا للتحدي الوطني الأوسع في التعامل مع البطالة الهيكلية والمقنعة. ولهذا يصح الاستنتاج بأن نجاح سياسات التوطين يتطلب تدخلًا حكوميًا مستمرًا وأكثر شمولية يستوعب كل شرائح الباحثين عن عمل ويعيد الاعتبار للعمل الفني كمسار مستقبلي مجزي وواعد ويمكن للإنسان أن يتطور فيه ويحقق طموحاته المستقبلية ويحقق يضيف قيمة للمصنع وللاقتصاد الوطني.
