دستور العائلة ودلالات المشي هوناً سعيد محمد بن زقر

العلاقة بين الأعمال العائلية والميثاق او الدستور العائلي كالعلاقة بين الأطفال التوأم ، انها علاقة ارتباط عضوي وروحي لا تنفصل ولا تنفصم. وكنت قد اشرت في مقالات سابقة إلى هذه الابعاد، واقترحت ضرورة أن يتحرك اهل التخصص والمستشاريين والمكلفين في الأعمال العائليه لتعزيز الوعي باهمية وجود دستور يحكم الاعمال العائلية. وهو تقنين وكتابة لما كان يمارسه الاباء المؤسسون. واليوم انادي بان يكون كتاب الله وسنة رسوله صل الله عليه وسلم البوصلة التي يستخدمونها،، في صياغة هذا الميثاق العائلي. وإذ نُقرُّ باهمية هذا الميثاق، نستحضر قول الله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا). فنُلزم أنفسنا وأبناءنا بأن يكون تواضعنا زينة قراراتنا، وسكينتنا درع شركتنا العائلية، وأن نعالج خلافاتنا إن وجدت، بقولٍ سَلامٍ وسعيٍ للصلح، نبتغي به دوام النِّعمة وصلاح العمل.”
لان إضفاء روح “هونا” على وثيقة الحوكمة العائلية يحوّلها من مجموعة قواعد جامدة إلى ميثاق أخلاقي نابض بالحياة، يحقّق التوازن بين سلطة العائلة واحتياجات العمل.
والتواضع كما نعلم ليس شعارًا عابراً بل نظام تشغيل يضمن استمرارية الثروة والعلاقات الاسرية لعقود قادمة وهو دواء فعال لكل أدواء النفس البشرية من تنافر وتنافس سلبي وتباغض وحب ذات وعدم احترام وتقدير وخاصة لمن هو اكبر منك عمرا وعلماً وخبرة ومعرفة.

وقد بحثت في السيرة النبوية وكتب التفسير عن دلالات كلمة “هونا” . ووجدت انها تعني التواضع، السكينة، والأدب في السلوك، وهي صفة مدحها الله تعالى في “عباد الرحمن”. وقد جاءت السنة النبوية والسيرة المطهرة بعشرات الأمثلة العملية التي جسدت هذه الروح، وأرست قواعدها في حياة المسلم. ولهذا قال تعالى “يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا”: أي يمشون على الأرض بسكينة ووقار وتواضع، وليس في مشيهم تكبر أو استعلاء أو فساد. ليس المقصود أن يمشوا بتكلف أو تظاهر بالضعف، بل بالثبات والجدية، ولكن مع تواضع وهدوء. ثم قال تعالى (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا): إذا خاطبهم أو أساء إليهم الجاهلون أو السفهاء بالكلام السيئ، فإنهم لا يقابلون الإساءة بالإساءة، بل يردون بكلام فيه سلامة من الإثم، أو يكتفون بعبارة مسالمة تدل على الإعراض عن الجدال، وطلب السلامة. وهذا ما كان يفعله الاباء والأمهات المؤسسون للأعمال العائلية فقد كانوا قمة التواضع والمشي هوناً والاعراض عن الجدل الذي لا يفيد.
وقد كانت قدوتهم سنة النبي ﷺ الذي كان يرفض مظاهر الغرور أو التعالي، فيجلس حيث ينتهي به المجلس، ويُسلِّم على الصغير والكبير، ويقبل دعوة المسكين، ويشارك أصحابه أعمالهم ولو كانت شاقة؛ فقد شاركهم في حفر الخندق ومساعدة الضعفاء.
وعند فتح مكة دخل ﷺ مطأطئ الرأس تواضعًا لله، حتى كاد جبينه يمس ظهر دابته، في قمة انتصاره وفي ساعة العز.
وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن عمله في بيته، فقالت: “كان في مهنة أهله” أي يساعدهم ويقضي حوائجهم.
لم يستنكف عن فعل الأعمال البسيطة بنفسه مثل خياطة ثوبه أو إصلاح نعله.
وكان ﷺ يواسي الصغار ويدخل السرور عليهم. من ذلك أنه كان يلاطف الأطفال ويناديهم بأسمائهم، ويمزح معهم دون أن يجرح مشاعرهم. ومعلوم مدحه لأصحابه ممن ينظرون إلى من هو أقل منهم ويرأفون بالمساكين، وعلمه لهم التواضع في المعاملة.
وانه النبي دعا للمشي في الأرض بسكينة وعدم التعالي أو الخيلاء: “لا ينظر الله إلى من يجر ثوبه خيلاء”. ووصى باتباع السلوك المتزن أثناء السير: السير بالهدوء، عدم التزاحم، إفساح الطريق للناس، مساعدة من يحتاج أثناء الطريق.
وبالتالي لا يقتصر “هونا” على المشي فقط بل هو خُلق عام في كل جوانب الحياة: الحوار، المشاركة الاجتماعية، التعامل مع الخطأ والصواب، القبول بالنقد، وتحمل أذى الآخرين بكلمة طيبة وسلوك حضاري. والتواضع لا يعني الضعف، بل هو قمة القوة الأخلاقية وثقة بالذات مع رحابة صدر وسعة نظر.
وعود على بدء فان دلالات كلمة “هونا” في الدستور العائلي لها معاني عابرة فهي سلوك متكامل يظهر في اللفظ والفعل والنية، وهي حجر أساس في تماسك المجتمعات واحترام الأولويات والجسور بين الناس. فمن أراد أن يحقق المعنى القرآني “يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا”، فجانب الدستور العائلي ينبغي أن تكون في التطبيق العملي في حياته اليومية باعتبار دلالات الكلمة هي المعيار الحقيقي لهذا الخلق الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى