حين ينزل المطر… وتنكشف السرائر
بقلم: محمد سعيد محمد عبيد بن زقر
التاريخ: ٩ ديسمبر ٢٠٢٥
اليوم لم تغرق جدة بالمطر بقدر ما غَرِقت بالأسئلة.
وقفتُ أمام باب منزلي أراقب السيول تتشكل، والبرق يشقّ السماء، وصوت الرعد يملأ الحيّ كطبول إنذار. ومع كل ومضة، تردد على لساني دعاء رسول الله ﷺ: “اللهم صَيِّبًا نافعًا… اللهم إني أسألك خيرها، وأعوذ بك من شرّها.”
لكن المطر لم ينزل وحده اليوم؛ نزلت معه ذاكرة موجعة.
عاد إلى ذهني ذلك اليوم من آخر أيام حياة والدي، محمد عبيد بن زقر – رحمه الله، حين أغلقت أمانة جدة مدخل بيتنا بالكامل بحجّة تطوير شبكات المياه والمجاري. كان المشروع أقرب إلى الفوضى منه إلى التطوير. قلت لهم: “والدي مريض… لا يمشي… افتحوا الطريق.”
فجاء الرد كصفعة لا تُنسى:
“إذا صار وضعه طوارئ… خلوه يمشي!”
لم يكن الألم في الإغلاق، بل في غياب الإنسانية، وفي ثقافة تنفيذ مشاريع بلا محاسبة. واليوم، ومع أول هطول غزير، تتكدس المياه أمام الباب نفسه، وكأن المشهد يعود ليذكّرني بمعنى قوله تعالى:
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾
يوم تُكشف الحقائق كما هي، بلا تجميل ولا تبرير.
جدة شهدت خلال السنوات الماضية موجات مطرية كثيفة، وكل موجة كانت تُعيد نفس المشاهد: سيول، تجمعات مياه، ضعف تصريف، ومشاريع لا تصمد أمام أبسط اختبار طبيعي. لم يكشف المطر عيبًا جديدًا…
بل كشف ما كان موجودًا ولم يُعالَج.
المشكلة ليست في المطر؛ فالمطر نعمة.
المشكلة في البنية التحتية التي لم تُختبر بجدية، وفي مشاريع تُسلَّم دون تحقق فعلي من مواصفاتها، وفي رقابة لا تُقاس بالورق، بل بالنتائج على الأرض.
وما دام التنفيذ بلا تقييم، والمقاول بلا مساءلة، ستتكرر المشاهد نفسها مع كل غيمة عابرة.
جدة مدينة كبيرة برمزيتها ووزنها الاقتصادي، ولا يجوز أن تتعثر عند أوّل امتحان طبيعي. ما تحتاجه المدينة اليوم ليس أعذارًا جديدة، بل:
• اختبارات هندسية صارمة قبل الاستلام،
• رقابة ميدانية حقيقية،
• ومحاسبة تبدأ من رأس الهرم حتى أصغر منفذ.
ليس من المنطقي أن تكون الأمطار — وهي رحمة — سببًا في كشف هذا القدر من الخلل.
فالخلل لم ينزل من السماء…
الخلل صُنع على الأرض.
وحتى يأتي اليوم الذي تُراجع فيه الأعمال قبل أن تفضحها السيول، لا أملك إلا أن أقول:
حسبي الله ونعم الوكيل.
