بعد 150 عامًا على آدم سميث… لماذا لا تزال بعض الأسواق تعيد إنتاج الميركانتيلية بصورتها الحديثة؟

سعيد محمد عبيد بن زقر – 8 ديسمبر 2025

بعد مرور 150 عامًا على ترسّخ إرث آدم سميث، ما زال الدرس الجوهري قائمًا: التجارة لا يمكن أن تُدار بمعزل عن منظومة الإنتاج دون كلفة اقتصادية مؤكدة. فالميركانتيلية القديمة لم تكن مجرد سياسة، بل طريقة تفكير تُعلي من حركة السلع على حساب بناء القدرة الصناعية. واليوم، تظهر هذه النزعة بصور حديثة حين يُفتح الباب لسلع تحمل العلامة نفسها التي تُنتج محليًا، ولكن بمستوى امتثال مختلف، وكأن التجارة يمكن فصلها عن الإنتاج دون أثر.

تشير تقديرات اقتصادية إلى أن ربع إلى ثلث الواردات تنافس الإنتاج المحلي مباشرة، وأن 8–12٪ منها تمثل فجوة امتثال لا تتحمل تكاليف الجودة التي تتحملها المصانع الوطنية. ورغم وجود منظومات مطابقة متقدمة تُصدر مئات الآلاف من شهادات المطابقة سنويًا، فإن تباين مستوى الإلزام عند المنفذ يبقى نقطة الضعف التي تسمح بدخول منتجات من العلامة نفسها بشروط تختلف عما تلتزم به خطوط الإنتاج المحلية.

وتظهر هذه المشكلة بوضوح في قطاع الأجهزة الكهربائية الصغيرة. ففي نموذج صناعي شائع، تمتلك علامة دولية خط تجميع محلي بطاقة 50 ألف وحدة سنويًا، بينما تدخل السوق في الفترة نفسها 12 ألف وحدة مستوردة للعلامة ذاتها بمستوى امتثال مختلف. هذا الفارق التنظيمي يؤدي إلى انخفاض تشغيل المصنع المحلي بنسبة 20–22٪، وارتفاع تكلفة الوحدة 7–9٪ نتيجة فقدان اقتصاديات الحجم، ليتحوّل الاستثمار الصناعي نفسه إلى مشروع أقل جدوى. هنا لا تكون المنافسة بين “محلي” و“مستورد”، بل داخل العلامة نفسها: منتج ملتزم بالقواعد، يقابله منتج آخر لا يتحمل التكلفة ذاتها.

ومن هنا يبرز الحل الأكثر توازنًا واتساقًا مع منطق السوق:
إلزام شهادات المطابقة وإعلان المصنع بشكل مسبق فقط عندما تكون العلامة التجارية مصنّعة محليًا.
هذا الإجراء لا يضيف عبئًا جديدًا على الاستيراد عمومًا، ولا يُعدّ حماية تقليدية، بل هو توحيد لمستوى الامتثال داخل العلامة نفسها حتى لا يُزاحم الخط المحلي بواردات أقل تكلفة تنظيمية.

وقد أثبتت التجارب التنظيمية المطبّقة في المنطقة لأكثر من عقد أن هذا النوع من الإلزام لا يؤدي إلى احتكار ولا إلى رفع أسعار، بل يعالج الانحياز التجاري الذي يفضّل الأرخص على حساب القدرة الإنتاجية. بل إن ضبط الجودة عند المنفذ يرفع التنافسية ويحمي الاستثمار الصناعي من الانكماش التدريجي، ويضمن أن تكون التجارة داعمة للإنتاج وليست بديلة عنه.

وهذا هو جوهر رسالة آدم سميث بعد قرن ونصف:
السوق الحرة لا تنجح عندما تختلف قواعد الجودة داخل العلامة الواحدة، بل عندما يخضع المنتج—حيثما صُنّع وحيثما بيع—لمعيار واحد عادل وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى