من جدة إلى أوهايو

بقلم: محمد سعيد محمد عبيد بن زقر
7 ديسمبر 2025

حين وصلت إلى مطار أوهير في شيكاغو، أحد أكبر المطارات في دولة تُعد أكبر اقتصاد في العالم، لم أتوقع المشهد الذي رأيته. احتجت للانتقال إلى مبنى آخر، فركبت القطار الداخلي، وما إن تحرك حتى شعرت وكأنني أعبر إلى زمن مضى؛ عربات تهتز عند كل منعطف، سكك يغطيها الصدأ، وأعمدة خشبية تمتد فوقها كابلات تبدو من حقبة بعيدة. وحين خرجت من المطار لاحقًا، ظهرت المفارقة الأكبر: أحياء فقيرة متآكلة البنية، ثم على بعد أمتار فقط مجمّعات سكنية مغلقة بأسوار عالية وحدائق وسيارات فاخرة. عالمان متقابلان في المشهد نفسه، بعيدًا عن الصورة اللامعة التي تُروَّج عن أمريكا.

هذه المشاهد لم تكن تفاصيل عابرة؛ بل نافذة كشفت تناقضًا أعمق بين ثروة هائلة وواقع معيشي متصدع، خصوصًا حين قارنت ما رأيته بما نعيشه في السعودية، حيث تبقى البنية التحتية والخدمات أكثر اتساقًا مهما اختلفت المناطق. وتزداد المفارقة وضوحًا حين نصل إلى تكساس، الولاية التي تنتج نحو 30% من الطاقة الأمريكية، ومع ذلك لا ينعكس هذا الثراء بالقدر المتوقع على حياة سكانها.

وفق معايير الأمم المتحدة للتنمية البشرية، تصنف السعودية ضمن فئة “التنمية البشرية العالية جدًا”، بعمر متوقع يقارب 79 عامًا ونظام تعليمي متطور. ورغم أن الدخل الاسمي في الولايات المتحدة أعلى، فإن الواقع المعيشي مختلف؛ إذ تسجل تكساس أعلى نسبة سكان بلا تأمين صحي، وتواجه تكاليف سكن مرتفعة وضرائب عقارية تلتهم الدخل، فيما يتآكل الراتب بين التأمين والضرائب والمصروفات الضرورية.

ويضاف إلى ذلك عامل لا يمكن تجاهله: الكحول والإدمان، اللذان أصبحا عنصرين مدمّرَين للأمن والنسيج الاجتماعي في المدن الأمريكية. فالكحول يقف وراء نسبة كبيرة من جرائم العنف وحوادث الطرق والعنف الأسري، ما يجعل عطلة نهاية الأسبوع في مدن مثل هيوستن ودالاس أقرب إلى حالة طوارئ غير معلنة. كما لا يقتصر أثره على الأمن فقط، بل يمتد إلى استنزاف الدخل؛ إذ تنفق بعض الأسر مئات الدولارات شهريًا على المشروبات، بينما تتحمل أخرى تكاليف علاج الإدمان والغرامات وارتفاع أقساط التأمين بسبب الحوادث المرتبطة بالشرب. هذا النزيف المالي يجعل الكثير من العائلات تعيش تحت ضغط دائم.

وفي المقابل، يحتفظ المواطن هنا بدخل فعلي أعلى بفضل الرعاية الصحية المجانية أو شبه المجانية، وبرامج الدعم السكني، وغياب ضريبة الدخل الشخصي، إضافة إلى غياب المسببات الكبرى للفوضى الاجتماعية والنزيف المالي. ولهذا يمكن القول بثقة إن المواطن السعودي اليوم يعيش مستوى رفاه واستقرار اقتصادي يفوق ما يعيشه المواطن العادي في تكساس، رغم أن الولاية أغنى نفطيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى