معالي الوزير… ما هكذا تُورد الإبل
بقلم: سعيد محمد عبيد بن زقر
١ ديسمبر ٢٠٢٥
قبل أيام وصلني عرضٌ تفصيلي يشرح بوضوح ما تواجهه المصانع الخليجية اليوم: سلع منخفضة الجودة، محتوى غير مطابق، وخطابات “مسوّقين” لا يمكن التحقق منها، بينما يتحمل المصنع المحلي أعلى التكاليف ليجد نفسه في منافسة غير عادلة. العرض لم يكن رأياً؛ بل قراءة واقعية لأثر المحتوى الرديء على الصناعة، وكيف يُسمح له بالدخول ليأكل حصص المصانع الجادة. ومن هنا تأتي خطورة الفروقات بين دول الخليج… باستثناء الإمارات التي ضبطت أبواب السوق بوضوح.
ومع ذلك، كلما طُرح سؤال إصلاح هذا الخلل في السعودية، نسمع حججًا خجولة تختبئ خلف عبارة: “توازن السوق… مخاوف الاحتكار… حماية صغار المستثمرين”. معالي الوزير، دعني أقولها باحترام كامل: ما هكذا تُورد الإبل.
أولاً: من قال إن آلاف المستوردين “مستثمرون”؟
الاقتصاد لا يُقاس بعدد من يضع حاوية في الميناء. الاستثمار الحقيقي يبني مصنعًا، يدرب أبناء البلد، ويخلق قيمة مضافة. أما الاستيراد غير المنضبط فهو نشاط تجاري سريع، لكنه لا يصنع اقتصادًا.
ومهما تضخّم صوت هؤلاء، الاقتصاد الوطني لا يجب أن يخضع لمن يربح من فجوة تنظيمية.
ثانيًا: الخوف من غضب “المستوردين” ليس سياسة اقتصادية
يقال إن تغيير النظام سيخلق ردة فعل من آلاف التجار.
ولكن: منذ متى تُدار السياسة الصناعية بناءً على من يصرخ أكثر؟
إذا كانت الإمارات، الأكثر انفتاحًا، لم ترتفع فيها الأسعار ولم تخلق احتكارًا، فكيف سنقتنع أن الوضع في السعودية سيقود إلى “كارثة”؟
ثالثًا: حماية المستهلك ليست احتكارًا… بل مسؤولية
حماية الوكيل ليست حماية لشخص، بل حماية لسلسلة توريد؛ جهة واحدة مسؤولة عن جودة المنتج ومحتواه ومطابقته.
ما يحدث اليوم هو العكس: منتجات مجهولة المحتوى، تسويق بخطابات خارجية غير قابلة للتحقق، ومصانع محلية تُعامل على أنها الطرف الأقوى بينما هي التي تتحمل كل الأعباء.
رابعًا: الصناعة المحلية ليست عاجزة كما يُصوّر البعض
الحجة المتكررة: “مصانعنا لن تغطي الفجوة”.
لكن الحقيقة أن مصانعنا لن تغطي شيئًا إذا ظلت منافسة السلع المغشوشة مفتوحة. الصناعة تنمو عندما يكون الملعب عادلًا، لا عندما يُترك مفتوحًا لمن يدفع أقل ويقدم أسوأ.
خامسًا: الوضع الحالي يشجع الغش… ويضر GNP الذي تستشهدون به
نعم، الاستيراد يرفع أرقام النشاط التجاري شكليًا.
لكن الغش والإغراق يضربان الثقة، يعطلان الصناعة، ويحوّلان ميزان المدفوعات إلى نزيف.
الأرقام التي تبدو جميلة اليوم تتحول إلى عبء غدًا.
يا معالي الوزير… السوق يحتاج جراحة لا مسكنات
الحديث عن “التدرج” و“الحذر” و“توازن المصالح” جميل في المؤتمرات، لكنه لا يوقف تدفق السلع المغشوشة ولا يحمي المستهلك ولا يدعم المصنع الوطني.
أما القول بأن التغيير “قد يغضب البعض”، فهذه ليست سياسة اقتصادية؛ هذه مسايرة قصيرة النظر.
الإمارات طبّقت النظام… ولم ترتفع الأسعار.
الإمارات طبّقت النظام… ولم يحدث احتكار.
الإمارات طبّقت النظام… فارتفعت الجودة.
إذن، لماذا لا نستطيع؟
أين الخطر الحقيقي؟
في تنظيم السوق؟
أم في مواجهة لوبي يستفيد من استمرار الفوضى؟
الخلاصة
إذا كنا نريد صناعة وطنية حقيقية، ومنتجًا سعوديًا ينافس، وسوقًا يحمي المستهلك، فلا بد من قرار شجاع:
مسؤولية واضحة، وكيل مسؤول، محتوى مُثبت، ومنظومة تمنع الغش قبل أن يصل إلى الرف.
أما الاستمرار في الوضع الحالي… فهو بالضبط ما هكذا تُورد الإبل.
