«السلاح الذي لا يُستخدم: لماذا تكشف تهديدات السندات ضعف الطرفين لا قوتهما؟»
30 نوفمبر 2025 — بقلم محمد سعيد عبيد بن زقر
الضجيج الذي عمّ منصة X حول نية أوروبا بيع سنداتها الأمريكية ردًّا على خطة ترامب للأصول الروسية خلق انطباعًا بأن صدامًا ماليًا حتميًا يقترب بين ضفتي الأطلسي. لكنّ ما يبدو “سلاحًا” في الخطاب ليس كذلك في الواقع. فواشنطن وبروكسل تتبادلان تهديدات يدرك كل منهما مسبقًا أنه لا يستطيع تنفيذها؛ إذ لا يهدف أي طرف إلى إطلاق السلاح، بل إلى إعادة صياغة ميزان القوة داخل الغرب.
خطة ترامب التي تقترح تحويل 210 مليارات يورو من الأصول الروسية المجمّدة إلى صندوق أمريكي تحتفظ واشنطن فيه بـ 50% من الأرباح ليست مجرد محاولة لتمويل إعادة الإعمار، بل إعلان عن رغبة في استعادة قيادة الغرب بقرار واحد:
“أمريكا تقرّر، وأوروبا تدفع.”
ترامب يعرف أن الخطة تصطدم بجدار قانوني أوروبي — خاصة في بلجيكا، حيث تحتضن الأصول — لكنه يعتمد على قوة الإعلان، لا سهولة التنفيذ، لإجبار أوروبا على التفاوض من موقع أدنى.
أما التهديد الأوروبي ببيع السندات الأمريكية، فهو بدوره تهديد بلا ذخيرة.
الحيازات الأوروبية — بين 1 و1.5 تريليون دولار — هي أساس استقرار النظام المالي الأوروبي، لا أداة ضغط.
فهي الضمان الرئيسي في سوق إعادة التمويل الأوروبية (repo market)، وركن ميزانيات البنوك وصناديق التقاعد.
البنوك الألمانية وحدها مكشوفة بنحو 250 مليار دولار على السندات الأمريكية.
أي بيع واسع سيضرب أوروبا قبل واشنطن عبر:
• تراجع قيمة السندات المتبقية في محافظها،
• اهتزاز اليورو،
• ارتفاع تكلفة الاقتراض،
• وتجمّد قنوات التمويل بين البنوك.
والجهة الوحيدة القادرة على امتصاص الصدمة — البنك المركزي الأوروبي (ECB) — لا تملك أساسًا التفويض السياسي لشراء سندات أجنبية.
بمعنى آخر: أوروبا تهدّد بسلاح تعلم أنه سينفجر في يدها قبل أن يصل إلى واشنطن.
يضاف إلى ذلك الانقسام الأوروبي الداخلي؛
فرنسا تتمسك بخطاب “السيادة الأوروبية”،
ألمانيا محكومة بحسابات صناعية ومالية،
البلطيق وبولندا تعتبر واشنطن الضامن الوحيد،
وبلجيكا مقيدة بالقانون.
الاتحاد الأوروبي قادر على إصدار بيانات موحدة… لكنه عاجز عن اتخاذ قرار مالي جريء.
أما الخليج — والسعودية خصوصًا — فانعكاسات هذا التوتر عليه مباشرة:
تقلب في الدولار، ارتباك في سيولة الأسواق، وتغيير في شهية المستثمرين العالميين، وهي عناصر تمسّ سوق الطاقة والاستثمار في المنطقة.
المشهد إذًا ليس صراعًا ماليًا، بل صراع على من يكتب قواعد المرحلة المقبلة داخل الغرب.
والسلاح الذي لا يُستخدم يكشف شيئًا واحدًا: كلا الطرفين يتصرّف من موقع ضعف أكثر منه من موقع قوة.
