لغشّ التجاري لا يبدأ في المملكة… بل عند أول ختم يأتي من الخارج

2025/11/30

في تشيرنوبيل، وسط بيئة مدمّرة لا ينجو فيها شيء، اكتشف العلماء فطراً أسود يُسمّى (Cladosporium sphaerospermum) يمتلك قدرة فريدة على تحويل الإشعاع القاتل إلى طاقة تمنحه القدرة على النموّ في ظروف يستحيل فيها استمرار الحياة. لم تؤثر فيه الأشعة، ولا المطر، ولا التربة الملوّثة. ينمو بلا مقاومة لأنه وجد “ثغرة” في البيئة سمحت له بالدخول.

وبالطريقة نفسها تماماً ينمو الغشّ التجاري؛ ليس لأنه أقوى من الأنظمة، بل لأنه يجد ثغرة واحدة فقط… وعندما يجدها، يتمدد بلا توقف.

الثغرة تبدأ من الخارج… قبل أن تصل إلى المملكة

الثغرة الأخطر اليوم هي قبول خطابات “مسوّق” تصدر من تجار جملة في الخارج، يدّعون تمثيل علامات عالمية دون أي تفويض من المصنع الأصلي. هذا الخطاب الورقي وحده يكفي لتسجيل المنتج في المملكة، وكأن هذه الورقة تحلّ محلّ المصنع أو ممثله القانوني.

المشكلة ليست في المملكة، بل في أن هذه الخطابات ليست ضمن نطاق اختصاص الهيئة للتحقق منها خارج الحدود. وبين هذه الفجوة التنظيمية ينمو الغشّ.

وتؤكد دراسات A-CAPP العالمية لعام 2023 حجم المشكلة؛ إذ كشفت أن ثلث المستهلكين حول العالم تعرّضوا لمنتجات غير أصلية، وأن 17 دولة واجهت حالات مشابهة بسبب الاعتماد على مستندات لا يمكن التحقق من صحتها دولياً. كما يوضح تقريري OECD وEUIPO أن السلع غير المطابقة تُضعف نمو الشركات النظامية وتشوّه المنافسة وتضرّ الاقتصاد.

في المملكة، يظهر الخلل بوضوح: رفض أي خطاب من الخارج لا يغيّر شيئاً إذا كان الخطاب المقبول أصلاً ليس صادراً من المصنع الرسمي.

إجراء واحد فقط — هو السماح بتسجيل منتجات اعتماداً على خطاب “تسويق” خارجي — يفتح الباب واسعاً للغش.

والنتيجة؟ 90% من منافذ البيع الرقمية تقبل إدراج المنتج خلال دقائق بدعم من المنتج الرقمي نفسه، دون فحص سريع أو تحقق من صحة الوثيقة قبل وصول المنتج إلى المستهلك.

يدخل المنتج… قبل أن يصل الوعي للمستهلك

تزداد خطورة الأمر لأن الشركات العالمية تنتج عديد النسخ من منتجاتها باختلاف التركيبة والجودة. قد يحمل المنتج الاسم نفسه، لكن تركيبة الشرق الأوسط قد تختلف عن الأوروبية أو الأميركية بنسبة تصل إلى 18%. ومع ذلك قد يدخل السوق نسخة منخفضة الجودة اعتماداً على خطاب خارجي فقط.

ليس هذا تحليلاً نظرياً. شركة يونيليفر العالمية — إحدى أكبر الشركات المصنّعة للسلع الاستهلاكية — أكدت رسمياً للهيئات السعودية أن الشركة لا تصدر أي خطابات “مسوّق” لأي طرف حول العالم. ومع ذلك، لا يزال بعض التجار يدرجون منتجات تحمل اسم يونيليفر بخطابات صادرة من جهات لا علاقة لها بالشركة، بينما تبقى الجهات المحلية عاجزة عن التحقق من صحة الخطابات الصادرة خارج المملكة بحجة أن ذلك “خارج نطاق الاختصاص”.

هنا ينمو الغشّ، ليس لأن الأنظمة ضعيفة، بل لأن الثغرة لا تزال مفتوحة.

الحل الجذري: إغلاق الثغرة قبل أن يدخل الغشّ

الحل بسيط، واضح، وعملي:

ما لم يكن التفويض صادراً من المصنع نفسه أو من ممثله القانوني داخل المملكة… فهو غير صالح للتسجيل.

عندما تُغلق هذه الثغرة، يتوقف الغشّ عند الحدود.
تُصبح الورقة وحدها غير كافية.
يتحوّل “خطاب المسوّق” الخارجي إلى ورقة بلا قيمة.
وتُصبح حماية السوق أقوى من أي محاولة للتحايل.

الغشّ التجاري لا يبدأ في المملكة… بل يدخلها من الخارج.
والحماية لا تبدأ من المستهلك… بل من مصدر التفويض، لا ورقة التمثيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى