الغش التجاري لا يبدأ في المملكة… بل عند أول خَتم يأتي من الخارج
التاريخ: 30 نوفمبر 2025
في تشيرنوبل، وسط بيئة لا ينجو فيها شيء، اكتشف العلماء فطراً أسود يُدعى Cladosporium sphaerospermum يمتلك قدرة استثنائية: تحويل الإشعاع القاتل إلى طاقة. لم يصنع الإشعاع هذا الفطر، بل صنعته البيئة التي سمحت له بالنمو بلا مقاومة. وفي السوق، ينمو الغش التجاري بالطريقة نفسها: ليس لأنه أقوى من الأنظمة، بل لأن ثغرة واحدة سمحت له بالدخول.
فالثغرة الأهم اليوم هي قبول خطابات “مسوّق” تصدر من تجار جملة في الخارج يزعمون تمثيل علامات عالمية دون أي تفويض من المصنع. بهذه الورقة وحدها، يمكن إدخال نسخة ليست مخصصة للمملكة، رغم أن المصنع ذاته قد لا يعترف بها. هنا يبدأ الغش… قبل أن يصل المنتج إلى أي رف.
وتزداد خطورة الأمر لأن الشركات العالمية تنتج عدّة نسخ من منتجاتها تختلف في التركيبة والتركيز والجودة. قد تحمل العبوتان الاسم نفسه، لكن نسخة أوروبا مثلاً قد تحتوي نسبة 18٪ من المادة الفعّالة، بينما النسخة الآسيوية لا تتجاوز 7٪. كلاهما قانوني… لكن الجودة مختلفة. ومع قبول الخطابات الخارجية، تدخل المملكة أحياناً النسخة الأدنى، فيتضرر المستهلك والتاجر الملتزم والسوق معاً.
وليس هذا تحليلاً نظرياً؛ فشركة عالمية كبرى مثل يونيليفر وجّهت خطاباً رسمياً إلى هيئة الغذاء والدواء السعودية تؤكد فيه أنها لا تُصدر أي خطابات “مسوّق” لأي جهة حول العالم، وأن أي خطاب يزعم تمثيل منتجاتها خارج قنواتها الرسمية مزيف ولا يعكس موافقة المصنع. ورغم ذلك، ما زال بعض التجار يدرجون منتجات يونيليفر المصنّعة خارج المملكة بخطابات “مسوّق” من جهات أجنبية، بينما تتمسّك الهيئة بأن التحقق من صحة تلك الخطابات ليس ضمن اختصاصها لأنها صادرة من خارج الحدود. وبين هذه الفجوة التنظيمية… ينمو الغش.
وتظهر الدراسات العالمية حجم المشكلة. فدراسة A-CAPP لعام 2023 على 13 ألف مستهلك في 17 دولة كشفت أن ثلثي المستهلكين تعرّضوا للغش دون علمهم. كما تؤكد تقارير OECD وEUIPO أن السلع غير المطابقة تُضعف نمو الشركات وتشوه المنافسة وتضر بالاقتصاد.
الحل الجذري واضح: رفض أي خطاب من الخارج ما لم يكن صادراً من المصنع نفسه أو ممثله الرسمي. هذا الإجراء وحده يغلق 90٪ من منافذ الغش. وتدعمه أدوات كهوية المنتج الرقمية وبروتوكول فحص سريع ومنصة وطنية للمقارنة.
فالخلاصة واحدة: الغش لا يصنعه السوق… بل الثغرة التي تسمح له بالدخول. وعندما تُغلق الثغرة عند المصدر، يُغلق معها الغش قبل أن يصل إلى المستهلك.
