الرياض في قلب الاتصال بين واشنطن وبكين
Saeid MO Binzagr — 25 November 2025
التحولات السياسية الكبرى لا تُعلن نفسها دائماً، لكنها تُفهم من التزامن بين أحداث تبدو منفصلة. هذا الأسبوع، كشف التزامن بين زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن ومبادرة الرئيس الصيني شي جينبينغ بطلب مكالمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مشهد جديد: الرياض أصبحت طرفاً مؤثراً في التفاعل بين القوتين الأكبر في العالم.
فالكاتب الفرنسي أرنو برتران أشار إلى واقعة غير مسبوقة: للمرة الأولى في التاريخ، يطلب رئيس صيني الاتصال مباشرة برئيس أميركي. الصين لطالما تجنّبت المبادرة في الاتصالات الرئاسية، حتى بعد أحداث 11 سبتمبر، ما يجعل خطوة شي الحالية رسالة استراتيجية لا لفتة مجاملة.
وفي الخلفية، أعلنت السعودية والولايات المتحدة إطار تعاون جديد في المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة، وهي العمود الفقري لصناعات البطاريات والطاقة المتجددة والدفاع، والمجال الذي تهيمن عليه الصين بإنتاج يتجاوز 70% ومعالجة تقارب 90%. دخول الرياض هذا الملف يمثل تحركاً اقتصادياً يمسّ واحداً من أكثر مصادر النفوذ الصيني حساسية.
المسح الجيولوجي السعودي كشف عن احتياطيات ضخمة من النحاس والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة داخل الدرع العربي، ما يجعل الشراكة السعودية–الأميركية خطوة عملية لا رمزية. وقد أوضح وزير الصناعة بندر الخريّف أن التعاون يهدف لبناء سلاسل توريد بديلة وأكثر موثوقية. وفي منطق العلاقات الدولية، يندرج ذلك تحت مفهوم الارتباط الجيو-اقتصادي: عندما تتحرك دولة داخل ملف اقتصادي حساس، ينعكس ذلك مباشرة على سلوك القوى الكبرى.
ميزة السعودية الفريدة اليوم أنها تجمع بين ثلاثة عناصر لا تمتلكها أي دولة أخرى: قدرة إنتاج الطاقة التقليدية، وموارد معدنية مستقبلية، وعمق مالي واستثماري ضخم. ويقود هذا المسار رؤية سياسية واضحة لولي العهد — الأمير الذي سيصبح ملكاً — والذي باتت تحركاته تُقرأ كعوامل مؤثرة في حسابات واشنطن وبكين، لا كمجرد حضور إقليمي.
هذا المزيج يجعل السعودية لاعباً قادراً على التأثير في خطوط الطاقة والمعادن والتقنية، وهي المجالات التي تحدد شكل التنافس الأميركي–الصيني. ومن هنا، يبدو التزامن بين زيارة ولي العهد والمكالمة الصينية–الأميركية أكبر من مصادفة زمنية. إنه انعكاس لحقيقة أن السعودية أصبحت جزءاً من حسابات القوى الكبرى الداخلية، لا مجرد ملف في سياستها الخارجية.
فالخريطة لم تعد: واشنطن في مواجهة بكين،
بل: واشنطن وبكين في عالم تتسع فيه مساحة تأثير الرياض.
وهذا هو التحول الأكثر أهمية في النظام الدولي اليوم.
