أندروميدا والأعمال العائلية

بقلم: محمد سعيد محمد عبيد بن زقر
19 نوفمبر 2025

قدّم الفيزيائي الشهير روجر بنروز مثالاً بديعاً يشرح به نسبية الزمن: شخص واقف في مكانه، وآخر يجري نحوه، يرفعان رأسهما في اللحظة نفسها نحو مجرّة أندروميدا. ورغم تطابق اللحظة والمشهد، إلا أن “الحاضر” هناك يختلف بينهما بما قد يصل إلى يومين كاملين. السبب ليس في المجرّة، بل في اختلاف السرعة؛ فالحركة—ولو كانت بسيطة—تغيّر تعريف “الآن” في مكان يبعد ملايين السنين الضوئية.

ومع مرور السنوات، أدركت أن ما يحدث داخل الأعمال العائلية يشبه تماماً هذه المفارقة. حين التحقت بالعمل العائلي دخلت بإيقاع سريع يواكب اقتصاداً لا يتوقف، وسوقاً يحتاج إلى سرعة وابتكار. ومع تحديثي لآليات العمل—وبدعم مباشر من “يونيليفر”—استطعنا تحسين الخدمة، ورفع جودة التوزيع، وتقليص أزمنة التنفيذ.

لكن نقطة التحوّل لم تكن تقنية، بل إنسانية.
فقد اتخذ عمّي وهيب رحمه الله قراراً جريئاً لا يُنسى.
أمسك بيدي ذات يوم، ودخل بي مكتب عمّي عبدالله قائلاً أمامه:
“من اليوم… كل ما يأتي من سعيد في الرياض، اعتبره من وهيب.”
ثم أخذني إلى جميع الموظفين في المكتب الرئيسي، وكرّر العبارة نفسها.
كانت تلك لحظة إعلان ثقة كاملة، فتحت الأبواب أمام تجربة أسرع وأكثر جرأة، خصوصاً تحت إشراف “يونيليفر” وتوجيهاتها.

وبعد عامين فقط، تغيّر كل شيء:
وقّعت عقود Key Accounts على %10 فقط، وارتفعت المبيعات، وتضاعفت الأرباح، ونمت الحصة السوقية بشكل لافت؛ حتى بدأ شركاؤنا ومنهم كورو—الذي نوزّع منتجاته كما نفعل مع يونيليفر—يتساءلون عن سبب هذا التحول الكبير. وفي تلك الفترة، حققت الشركة لأول مرة في تاريخها صافي ربح تجاوز 100 مليون ريال.

لكن رغم النجاح المالي، بقي الدرس الأعمق:
الخلاف بين الأجيال لم يكن خلاف نوايا ولا مبادئ، بل اختلاف سرعة.
الجيل الأكبر يرى الحاضر بعين الخبرة وتراكم السنين، بينما يرى الجيل الجديد الحاضر بعين المستقبل وسرعة السوق. وباختلاف السرعة، يختلف تعريف اللحظة داخل الشركة:
ما أراه ضرورة اليوم، يرونه استعجالاً.
وما أراه مواكبة للسوق، يرونه مخاطرة.

ولحل هذه الفجوة، أثبتت التجارب العالمية نجاح ممارسات مثل:
• مجلس العائلة لتنظيم الإيقاع والرؤية.
• الفصل بين الإدارة والملكية.
• مختبرات الابتكار للجيل الجديد.
• ميثاق العائلة لضبط القرارات وحدود التدخل.
• التأهيل الخارجي قبل استلام المناصب.
• الاتفاق السنوي على سرعة التغيير.

وهكذا، تبدو الأعمال العائلية مثل أندروميدا:
الاختلاف ليس في ماذا نريد… بل في السرعة التي نتحرك بها نحو المستقبل.
وحين تتوحّد السرعات، يمكن للمجرّة أن تقترب… ويمكن للأرباح أن تقفز إلى المئة مليون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى