السعودية الحديثة… حين يصبح انتظام المجتمع مشروع للدولة

سعيد محمد بن زقر

صلاة الجماعة عبادة في أصلها، لكنها أيضًا نموذج يومي لانتظام البشر خلف مقصد واحد وقبلة واحدة وإيقاع واحد. وهذا البعد الروحي–الاجتماعي يكتسب دلالة جديدة حين نقرأه في سياقات التحوّل السعودي الحديث، حيث تُبنى الدولة اليوم على مفهوم الانتظام والوحدة واتساق الهدف.

وبحسب دراسات تجريبية حديثة نشرت في Harvard Medical School ، تشير إلى أن الممارسات الروحية المنتظمة تُخفّض نشاط الأميغدالا؛ مركز القلق في الدماغ، وترفع موجات Alpha المرتبطة بالسكينة. وفي أبحاث علمية أخرى من جامعة بنسلفانيا University of Pennsylvania بقيادة Andrew Newberg، ظهر أن الطقوس الجماعية المتناغمة تُحدث حالة من الارتباط Coherence، بما يعني تقارب المؤشرات العصبية بين الأفراد. كما يوضح معهد ميت ماكجفيرن MIT McGovern Institute أن الأنشطة ذات الإيقاع الجمعي — دينية أو مدنية — تُعزّز التنظيم الذاتي للجهاز العصبي وتخفف التوتر.
ومهما يكن من أمر فإن هذه النتائج البحثية لا تختزل الصلاة في تفسير علمي، لكنها تمنحنا قراءة إضافية: الجماعة تُعيد الإنسان إلى مركزه الداخلي، وتخلق حالة من الانسجام الوجداني بينه وبين من حوله. تاريخيًا، قدّمت الأمة الإسلامية نموذجًا واضحًا في هذا المجال حين تحوّلت الجماعة إلى مؤسسة انضباط. ففي رسائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لولاته نقرأ: “اجمعوا الناس على الصلاة، فإنها جماع أمرهم”، وهي إشارة مبكرة إلى أن انتظام الناس أصل في انتظام الدولة. وفي سيرة صلاح الدين الأيوبي، كان الجيش يبدأ يومه بصلاة الفجر جماعة لضبط الإيقاع النفسي قبل القتال. أما العثمانيون فاستلهموا من صفوف الصلاة ما عُرف بالطابور العسكري، وهو تدريب يومي على الانضباط والطاعة والاستجابة لقائد واحد — كما وثّقه المؤرخ Halil İnalcık.
ويمتد هذا المعنى إلى التجربة السعودية الحديثة؛ ولهذا عندما اعود إلى مرحلة الدراسة، وأتذكّر من أيامي في مدارس الظهران الأهلية، استعيد مشهد طابور الصباح، وقد وضع كل منا يده الصغيرة على القلب، يردد النشيد الوطني بصوت واحد، (سارعي للمجد والعلياء مجدي لخالق السماء وارفع الخفاق أخضـر يحمل النور المسـطر رددي الله أكبر يا موطنــي)كان درسًا يوميًا في الانتظام والحب والالتفاف حول مقصد مشترك — وهو جوهر الجماعة في شكلها المدني الحديث.

اقتصاديًا، دوّن المؤرخ Marshall Hodgson أن أوقات الصلاة كانت “الساعة الاجتماعية” للمدن الإسلامية، تضبط الأسواق والعمل وتمنع الفوضى، بينما خلقت الجماعة اجتماعيًا شبكة لقاء يومية تُعزز التماسك وتمنع التفكك.
وفي السعودية اليوم، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يتجسد المعنى نفسه على مستوى الدولة: توحيد الرؤية، وضبط الإيقاع الوطني، وتوجيه الجهود نحو هدف واحد. رؤية 2030 ليست خطة اقتصادية فقط، بل مشروع انتظام وطني يعيد تشكيل الوعي الجمعي.

وهكذا تلتقي الروح بالعلم وبناء الدولة الحديثة لتؤكد حقيقة واحدة: قوة الأمم تُصنع حين تصطف… قبل أن تنهض.

…….
18 نوفمبر 2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى