كل الحياة تجارة: السعي في النعمة لا في السوق

سعيد محمد بن زقر

هذا المقال يحاول تقديم رؤية في مفهوم السعي والاستخلاف الإنساني. وفيه بدء كاتب السطور أسلوبًا متدرجًا في الفكرة، من الوضوح إلى العمق، بهدف مواكبة طبيعة موضوع “السعي” الذي يتصل بالظاهر والباطن معًا، وبالعقل والجسد والروح.

في الحقيقة، يمكن القول بأن كل الحياة تجارة.
لكن الناس ظنّوا أن التجارة لا تكون إلا في السوق، بينما القرآن جعلها في القلب، والنية، والعمل على النعمة.
كل جهدٍ تبذله، وكل وقتٍ تستثمره، هو صفقة مفتوحة بينك وبين الله، يربح فيها من أخلص النية لا من كثر الحساب.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ}.
ولأن السعي في الإسلام يرتبط بالنية قبل الجهد،
جاء البيان القرآني جامعًا بين الإيمان والعمل، حيث قال تعالى:

﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]

هذه الآية هي مفتاح الفهم القرآني للسعي.
فهي تجمع بين الإيمان والعمل والاستخلاف، وتُذكّر أن ما بأيدينا أمانة لا ملك.
فمن أودعه الله جسدًا أو علمًا أو موهبةً، فليس له أن يعطّلها،
لأن السعي في الإسلام ليس نشاطًا اقتصاديًا فقط، بل حركة وجودٍ من الإمكان إلى الفعل.

لأن الإنفاق في النص الإلهي ليس مالًا فقط، بل كل طاقةٍ استخلفك الله فيها.

فالشاب الذي يتمرّن شكرًا على نعمة الجسد، والصحة،
والكاتب الذي يضيء فكرة،
والحرفي الذي يُتقن صنعته،
والطبيب الذي يعالج مرضاه باخلاص وتفاني
والمعلمة والمعلم الذي ينير عقول الناشئة بامانة ونزاهة واحترام
كلهم ساعون إلى الله بوسائل مختلفة، لأنهم يعملون على النعمة لا من أجل المال.

وتُروى قصة رمزية — لا يُؤكَّد وقوعها تاريخيًا — بين الإمام مالك وتلميذه الشافعي رضي الله عنهما:
خرج الشافعي من مجلس أستاذه وساعد رجلاً يحمل تمرًا فأُعطي خصلة تمر، فقال: “هذا جزاء السعي.”
فابتسم مالك وقال: “وأنا أتاني رزقي إلى بابي دون سعي.”
بينما كلاهما سعى، وكلاهما رُزق، لأن الرزق لا يُقاس بالحركة بل بالنية التي تُحرّكها.

وحين يقول الله:

﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾
فهو لا يحدّد نوع السعي ولا زمنه، بل يفتحه لكل عصرٍ وصورةٍ ومعنى.
فقد نسعى اليوم في الأسواق، وغدًا في فضاءات الفكر أو التقنية أو الفن،
لكن يبقى الأصل واحدًا: أن كل سعيٍ في نعمةٍ استخلفك الله فيها هو تجارةٌ مع الله،
وأن الأجر يُكتب قبل الربح، لأن النية تسبق المال.

وهكذا يكون السعي شكرًا، والتجارة عبادة، والعمل طريقًا إلى الله،
ومن جمع صدق النية وحسن السعي، جمع بين سكون الإمام مالك وحركة الإمام الشافعي،
وسار في الأرض بقدمين تعملان، وقلبٍ يوقن أن الرزاق هو الله.

قال الامام الشافعي:
“عليك بتقوى الله إن كنت غافلاً يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى