هل ترى شركتك ما وراء الأرقام؟ البصيرة في الأعمال العائلية
سعيد محمد عبيد بن زقر – ٨ نوفمبر ٢٠٢٥
يصف القرآن الكريم أحد أعمق مشاهد الوجود الإنساني:
«فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ • وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ • وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَا تُبْصِرُونَ» [الواقعة: 83–85].
إنها لحظة بلوغ الروح الحلقوم، حين يرى الناس الجسد ولا يُدركون الحقيقة الغيبية الجارية في داخله.
وبالمعنى ذاته، تمر كثير من الشركات العائلية عند الجيل الثالث أو الرابع بلحظة مشابهة:
الاجتماعات تُعقد، والتقارير تُقدَّم، والأرقام تبدو مستقرة، لكن روح المؤسسة – أي نيتها الأولى وقيمها المؤسسة – تضعف شيئًا فشيئًا.
الجميع يرى البنية الظاهرة، ولا أحد يُبصر الحياة الباطنة.
يُعبّر مصطلح الإبصار المؤسسي عن هذا الوعي الغائب؛
أي القدرة على وصل القيم بالإدارة، والمعنى بالقياس.
وفي المفهوم الأكاديمي، يشبه تآكل هذا الوعي ما يُعرف في أدبيات الإدارة بـ الثروة العاطفية المؤسسية (Socioemotional Wealth – SEW)،
أي رأس المال العاطفي والهويّاتي الذي يربط الأسرة بمشروعها الاقتصادي.
واستعادته تتطلّب ممارسة القيادة الرعوية عبر الأجيال (Transgenerational Stewardship)،
حيث تُمارس القيادة كأمانةٍ أخلاقية تُحافظ على الرسالة عبر تخطيطٍ واضح لانتقال القيادة (Succession Planning) وحوكمةٍ مؤسسية شفافة (Corporate Governance).
تشير تقارير PwC (2023) إلى أن نحو 65٪ من الشركات العائلية السعودية لا تزال في الجيل الثاني، وأكثر من نصفها تفتقر إلى خطة مكتوبة لانتقال القيادة.
ومع دخول بعضها مرحلة الجيل الثالث، تظهر أعراض ما يمكن تسميته الإرهاق المؤسسي: ضعف الهوية، وتضارب القرارات، وتراجع الثقة.
لكن هذا الضعف ليس قدرًا محتومًا، بل إشارة إلى حاجةٍ متجددة للوعي والحوكمة.
ولاستعادة هذا الوعي، يمكن للشركات العائلية اتباع أربع ركائز عملية:
1. ميثاق عائلي مكتوب يوضح الغاية والقيم المشتركة.
2. مجلس عائلي رسمي للحوار واتخاذ القرار الجماعي.
3. خطة قيادة شفافة توازن بين الكفاءة والانتماء.
4. مؤشرات ثقة داخلية تُراجع دوريًا لضمان العدالة والانسجام.
وقد نجحت بعض الشركات السعودية في تطبيق هذه المبادئ، بتحويل الميثاق الأسري إلى إطار حوكمي فعلي داخل مجالس الإدارة، مما أعاد الثقة ووحّد الرؤية بين الأجيال.
إن الإبصار المؤسسي ليس مصطلحًا وعظيًا، بل إستراتيجية بقاءٍ ووعيٍ قيادي؛
فالمؤسسة، مثل الإنسان، قد تقترب من الضعف حين يغيب وعيها، لكنها تُبعث حين تستعيد معناها.
والشركات التي تُبصر رسالتها قبل أرباحها، وتورّث قيمها قبل حصصها،
هي التي تدوم وتُسهم في بناء اقتصادٍ وطنيٍّ مستدامٍ وإنسانيٍّ في ظل رؤية المملكة 2030
