من المدينة إلى المملكة: حين يتحول الوحي إلى مشروعٍ حضاري
سعيد محمد بن زقر
٨ نوفمبر ٢٠٢٥
من المدينة المنوّرة خرج أول مشروع حضاري يقوده الوحي، واليوم تواصل المملكة مسيرته وهي تُعيد بناء الإنسان والوعي على أساسٍ من الإيمان والعقل.
هذا المقال يتأمل كيف تحوّل الوحي من نصٍ مُتلى إلى منظومةٍ تُبنى عليها السياسات والمؤسسات، وكيف تُترجم رؤية المملكة 2030 قيم الوحي إلى تنميةٍ معاصرة.
⸻
منهج حياة لا نصوص جامدة
الوحي في جوهره ليس تلاوةً فحسب، بل منهج حياةٍ نزل على قلب النبي ﷺ ليقود العقل والسلوك معًا.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4].
فالقرآن والسنة وحيان متكاملان؛ أحدهما متلوّ والآخر مبيّن. ومن يزعم الاكتفاء بالقرآن وينكر حجية السنة، إنما يكرّر فعل من نهى عن الوحي ونأى عنه — وإن لبس ثوب “الحداثة”.
⸻
حين فُصِل الوحيان اختلَّ الميزان
التاريخ شاهدٌ أن كل محاولة لتجزئة الوحي انتهت إلى اضطرابٍ في الفهم والدين معًا.
فالخوارج أخذوا بالنصوص دون بيان النبي ﷺ فغلّبوا الشدة على الرحمة، والمعتزلة قدّموا العقل على النقل حتى ضيّقوا دائرة اليقين، والقرآنيون في العصر الحديث زعموا الاكتفاء بالقرآن فسقطوا في فراغٍ تشريعيٍّ لا يعرف للعبادة هيئةً ولا للأخلاق ضابطًا.
وحين صار “الدين رأيًا ثقافيًا” بدل أن يكون وحيًا مُلزِمًا، فقد المجتمع بوصلته.
⸻
بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي
الفرق بين النقد والتشكيك ليس في الألفاظ بل في النية والمنهج.
فـ«النقد» في اللغة من نَقَدَ، أي ميّز الجيّد من الرديء؛ حركةٌ داخل الإيمان تُنقّي ولا تهدم.
أما «التشكيك» فمأخوذ من الشكّ، وهو توقفٌ عن التصديق ورفضٌ للمرجعية.
فالنقد العلمي يتحرك داخل دائرة الوحي ليُمحّص النقل ويقوّم الفهم، بينما التشكيك الأيديولوجي ينطلق من خارجها لهدم المبدأ ذاته.
فالأول إصلاحٌ بالعقل، والثاني إنكارٌ باسم العقل.
⸻
رؤية المملكة… حين يتحول الوحي إلى مشروعٍ حضاري
تُترجم رؤية المملكة 2030 هذا المبدأ إلى واقعٍ تنموي؛ فهي لا تستشهد بالوحي كشعار، بل تبني عليه كمنهج.
حين تجعل الإنسان محور التنمية وتربط الابتكار بالمسؤولية الأخلاقية، فإنها تُفعّل مقاصد الوحي في العمران: إعمار الأرض بالحق والعدل.
ومجمع الملك سلمان للحديث النبوي الشريف مثالٌ على تحويل النص إلى مؤسسةٍ معرفية تصون السنة وتفعّلها في التعليم والسياسة الثقافية.
⸻
خاتمة
إن الوحي ليس ماضيًا نرويه، بل بوصلةً نستدل بها في طريق النهضة.
والأمم لا تنهض بما تملك من المال، بل بما تملك من وحيٍ يُهدي عقلها، ويصون معناها.
