من المنشاوي إلى الجيل الرقمي: حين يقرأ القلب قبل المايكروفون
أتذكّر أول مرة سمعتُ الشيخ المنشاوي شعرت أن صوته يخرج من قلبٍ خاشع قبل أن يخرج من حنجرةٍ متقنة؛ حتى ان المستمع يشعر أن كل حرفٍ يقطر خشيةً وخضوعًا لله تعالى.
يمتاز صوت الشيخ المنشاوي بنغمةٍ دافئةٍ تميل إلى العمق، تجمع بين الحزن الجميل والسكينة المريحة، فلا يُتعب السمع، بل يسكب الطمأنينة في النفس.
صوت رصين ومتزن وهو ينساب إلى الوجدان. لا يرفع الشيخ المنشاوي صوته بحدةٍ ولا يبالغ في التطريب؛ بل يقرأ بتوازنٍ يحافظ على جلال القرآن وهيبته. مع دقة الأداء والتميز بإتقانٍ مذهل لأحكام التلاوة ومخارج الحروف، مع وضوحٍ تام في النطق يجعل المستمع يدرك المعنى بسهولة.
لهذا لم يكن الصوت جميلًا فقط، بل كأن الآية تخاطبني شخصيًا.
وقد شعرت لاول وهلة أن التلاوة ليست حروفًا، بل حياة تنبض بالإيمان والسكينة.
تساءلت بعدها: ما سرّ هذا الجيل الذي منحنا الحصري والمنشاوي وعبدالباسط؟
الجواب ليس في الصوت… بل في الروح.
جيلهم قرأ ليَسمع، لا ليُسمَع.
لم تكن التلاوة وسيلة شهرة، بل وسيلة قرب من الله.
كانت الإذاعة منبرًا للخشوع، والمجتمع يَرى في القارئ حاملَ رسالة، لا مؤدّيًا.
تعلّموا القرآن بالمشافهة لا بالتطبيقات، بالحضور لا بالتحميل، وبالنية قبل التقنية.
أما نحن، فلدينا كل الأدوات: الهاتف، المايكروفون، المنصّات، لكننا نفتقد الصمت الذي يسمع فيه الإنسان قلبه.
جيل اليوم لا ينقصه العلم ولا الوسائل، بل السكينة.
أن يقرأ القرآن لا ليُسجِّله، بل ليُصلحه.
الإخلاص لا يُورث، لكنه يُولد من جديد في كل قلب صادق.
يمكن لشاب في غرفته، يسجّل بصوت متواضع، أن يُبكِي قلوبًا حول العالم،
إذا قرأ ليذكّر نفسه قبل أن يُعجب الناس.
فالخشوع لا يصنعه المايكروفون، بل هدوء القلب قبل الحرف.
كيف نبدأ اليوم؟
ابدأ بخمس دقائق هدوء مع آية واحدة.
استمع لتلاوة دون أن تمسك هاتفك.
كرّرها حتى تشعر أن الحروف تسكنك لا تمرّ بك.
هناك يبدأ الصفاء… هناك يولد جيل جديد يقرأ بالروح لا بالأداء.
جيل المنشاوي والحصري وعبدالباسط عاش القرآن كما هو، وجيلنا مدعوّ ليعيشه كما نحن — بلغتنا، بأدواتنا، وبصدقٍ يعيد للآيات نورها في حياتنا.
فالفرق بين الصوت العابر والخالد،
أن الأول يُسمَع… والثاني يُؤمن به.
