من الأندلس إلى الرياض: حين يعلّمنا السهيلي معنى الفقر إلى الله في زمن الوفرة

✍️ سعيد محمد بن زقر

في تاريخ الحضارة الإسلامية، يظهر الإمام عبد الرحمن السُّهَيْلي الأندلسي (ت 581هـ) نموذجًا نادرًا لعالمٍ جمع بين عمق الفقه، ودقة اللغة، ونقاء الروح. عاش السهيلي في أواخر عهد ازدهار الأندلس، حيث ترف العلم والمال والعمارة، لكنه رأى ببصيرته ما وراء الرفاه من اختبارٍ أعظم: أن تبقى القلوب معلّقة بالله، لا بالنعمة.
ومن تأملاته الخالدة قصيدته التي أصبحت مناجاةً للمؤمنين على مرّ القرون:

يا من يرى ما في الضمير ويسمعُ
أنت المعدّ لكلّ ما يُتوقّعُ
يا من يُرجى للشدائد كلها
يا من إليه المشتكى والمفزعُ
يا من خزائن رزقه في قول كن
امنن فإن الخير عندك أجمعُ

في هذه الأبيات يتجلّى توحيد الإحساس بالاعتماد على الله وحده، لا على الوسائل ولا على الثراء. فهو لا يناجي ربه بلسان الفقير المادي، بل بلسان العارف الذي يدرك أن الفقر إلى الله هو غنى الوعي به.
فهو ينادي “يا من يرى ما في الضمير ويسمع” أي: يا الله، أنت الذي ترى ما في القلوب وتسمع ما تُخفي النفوس، لا يخفى عليك شيء من أمر الخلق.
“أنت المعدّ لكلّ ما يُتوقّع” أي: أنت الذي هيّأت وقدّرت لكل شيء سيحدث في المستقبل، وكل رجاء أو خوف فإن تدبيره عندك. ويضيف “يا من يُرجى للشدائد كلها” أي: لا يُرجى الفرج إلا منك في كل مصيبة وشدة. ويرفع صوته “يا من إليه المشتكى والمفزع” أي: أنت الملجأ الوحيد عند الكرب، وإليك تُرفع الشكاية، لا إلى سواك.
ومع أن السهيلي عاش في الأندلس، إلا أن روحه تصلح أن تُخاطب حاضرنا في عصرنا الحاضر وفي السعودية الحديثة، وهي تبني اقتصادًا متنوعًا وتعيش وفرة غير مسبوقة. فالمجتمع الذي يسير بثقة نحو التنمية يحتاج إلى أن يسمع صوت السهيلي من بعيد وهو يقول: ما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ… فبِالافتقارِ إليك فقري أدفعُ.

إن التحوّل الاقتصادي الذي تعيشه المملكة ليس مجرد أرقام واستثمارات، بل تجربة إنسانية تتطلّب توازنًا بين الإنجاز والتواضع، بين الرفاه والمسؤولية، بين القوة والتوكل.
فكما يقول السهيلي: يا من خزائن رزقه في قول كن — لا ننسى أن خزائن الرزق التي نراها حولنا إنما هي منحة من خالقٍ يقول فيكون، وأن الحفظ الحقيقي للنعمة يبدأ من شكرها، لا من الاغترار بها.

لقد كان السهيلي في عصره شاهدًا على حضارة بلغت ذروتها، ثم بدأت تنسى مصدر قوتها. ورسالة قصيدته اليوم أن التنمية المادية بلا قيم روحية تفقد بوصلة الاستدامة كما هو حال الدول الغربية.
فما أجمل أن نستعيد صوته في زمن الإنجاز لنقول لأنفسنا:

“يا من يرى طموح أمةٍ ويسمع، لا تجعل غِناها يُنسيها أن خزائن رزقك في قول كن.”

✍️ سعيد محمد بن زقر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى