من وول ستريت إلى الرياض: كيف يعيد الائتمان الخاص رسم خريطة التمويل؟

سعيد محمد بن زقر

تشهد الولايات المتحدة تحولاً هيكلياً في تمويل الشركات، إذ أظهر الاحتياطي الفدرالي بنيويورك أن سوق الائتمان الخاص (Private Credit) تجاوز 1.3 تريليون دولار بنهاية عام 2024، متقدماً على سندات العائد المرتفع والقروض الممولة. هذا التحول يعكس انتقال الشركات من الاعتماد على البنوك نحو صناديق الدين الخاصة، التي تقدم تمويلاً مرناً بعوائد تتراوح عادة بين ٨ إلى ١٢٪، وفقاً لبيانات منشورة من بنوك وجهات Deutsche Bank وMorgan Stanley وCambridge Associates، والتي أظهرت أن عوائد الإقراض المباشر للشركات المتوسطة تتراوح تاريخياً بين ٨.٥ و١٢٪ سنوياً تبعاً لمستوى المخاطر وهيكل التمويل.

وفي موازاة ذلك، تتوقع إدارة HSBC Global Investment Research أن الدولار الأمريكي سيتراجع حتى مطلع عام 2026، مع استمرار خفض الفائدة الفدرالية وحالة عدم اليقين حول قيادة البنك المركزي المقبلة. ومع تقلص الفارق بين أسعار الفائدة الأمريكية والأوروبية وتباطؤ الإنفاق والتوظيف، تتراجع جاذبية الدولار بينما تعزز أسعار الذهب مكانتها كملاذ استثماري آمن.

ويهمنا اكثر معرفة اثر ذلك على الوضع الاقتصادي في السعودية: وخاصة ما طُبّق وما هو قيد التنفيذ:
• تشريعات التمويل المباشر: أصدرت هيئة السوق المالية تعليمات تسمح بإنشاء صناديق تمويل مباشر خاضعة للرقابة التنظيمية، وهو ما يمثل بداية فعلية لتأسيس سوق ائتمان خاص منظم.
• شراكات استثمارية دولية: تم توقيع شراكة بين شركة حصانة للاستثمار وشركة Franklin Templeton بقيمة 150 مليون دولار لتعزيز سوق الدين الخاص في المملكة.
• إطلاق صناديق محلية: شركات مثل SAB Invest وSVC أطلقت صناديق تستهدف تمويل الشركات المتوسطة داخل المملكة.
• المنصة الوطنية للإقراض المباشر: لم تُطلق بعد، رغم الحاجة الواضحة إلى منصة موحدة تربط المستثمرين والمؤسسات التمويلية تحت مظلة تنظيمية واحدة.

ومن المقترحات ذات الصلة: تقديم منصة التمويل الوطني للأعمال المتوسطة. وذلك بإنشاء منصة وطنية للإقراض المباشر تشترك فيها وزارة المالية وصندوق الاستثمارات العامة وهيئة السوق المالية، لتسهيل تمويل الشركات المتوسطة والمشاريع الإنتاجية، وربط رؤوس الأموال المحلية بالمستثمرين المؤسسيين والدوليين ضمن إشراف تنظيمي موحد وشفاف.

هذه المنصة ان تم اطلاقها ستخلق سوقاً سعودياً موازياً للائتمان الخاص الأمريكي، وتوفر مصدراً تمويلياً بديلاً للبنوك، وتتيح للمستثمرين فرصاً لعوائد ثابتة مع شفافية أعلى.

وفي هذا السياق فان السؤال الذي يطرح نفسه هل من دروس من تجارب ناجحة.
• دولة الإمارات لديها تجربة جيدة: فقد أطلقت سوق دبي المالي منصة Arena كأداة تمويل بديل تدعم الائتمان الخاص وتربط الشركات بالمستثمرين مباشرة.
• سنغافورة لديها تجربة ناجحة: فقد أسست منصة Kilde كوسيط خاضع للرقابة لتمويل الدين الخاص في الأسواق الناشئة، مما ساعدها على جذب رؤوس أموال مؤسساتية كبيرة.
• جنوب أفريقيا لديها تجربة نموذجية: فقد طورت نموذج Country Platforms لتمويل مشاريع البنية والطاقة عبر شراكات حكومية–خاصة تربط التمويل العالمي بالأولويات الوطنية.

ويصح الاستنتاج بأن السعودية بحمد الله بدأت فعلياً في بناء سوق ائتمان خاص منظم، وتهيئ بيئة تشريعية جاذبة، لكن الخطوة الفارقة ستكون في تأسيس منصة وطنية موحدة للإقراض المباشر لتعزز كفاءة رأس المال المحلي وتفتح مجالات استثمار مؤسسي جديدة.
يقول خبراء اقتصاديون من يدرك مبكراً التحول في خريطة التمويل العالمي، هو الأقدر على تحويله إلى فرص وطنية دائمة ومستدامة.

٤-١١-٢٠٢٥م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى