“وبيّنوا”… حين تتحول التوبة إلى ثقافة شفافية

سعيد محمد عبيد بن زقر

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 160]

تجسّد هذه الآية مسار الإصلاح الإنساني في ثلاث مراحل مترابطة: توبة، إصلاح، وبيان.
لكن كلمة «وبيّنوا» لا تقتصر على معناها الديني، بل تمثل فلسفة شاملة قوامها الشفافية والمسؤولية؛ فهي تربط بين الحقيقة والعدل، وبين الفكر والسلوك.

فلسفيًا، البيان هو لحظة صدق مع الذات، وهو ما يجعل المعرفة فعلًا أخلاقيًا لا ادعاءً للسلطة.
واجتماعيًا، هو ما يمنع تفكك الجماعة ويعيد الثقة بين أفرادها.
أما اقتصاديًا، فهو أساس الإفصاح والمسؤولية في إدارة الثروة العامة، حيث تتحقق التوبة المؤسسية حين تُعلَن الحقائق لا حين تُخفى.

في هذا السياق، أتذكر حين زار وزير الاقتصاد السنغافوري غرفة جدة أثناء عملي في مجلس إدارتها، وقال لي:

“شبابنا يريدون زيادة رفاهيته، لكنني أخشى أن تخسر الدولة مدخراتها، فماذا نفعل؟”
فقلت له: اسمح لي بسؤالين.
“ماذا يحدث لو استثمرت الدولة في تمكين الشباب مع الحفاظ على رفاهيته؟”
قال: “ستزداد ثروة الدولة.”
“وماذا إن امتنعت حفاظًا على مدخراتها؟”
قال: “ستتآكل قيمتها مع الزمن.”
فقلت له: إذن الادخار بلا استثمار تجميد للقيمة، أما الاستثمار في الإنسان فهو مضاعفة لها.

تلك اللحظة اختصرت جوهر ما يسميه الاقتصاديون «نظرية رأس المال البشري» التي تؤكد أن بناء الإنسان هو أعظم استثمار وركيزة للتنمية المستدامة.

تنمويا وسياسياً (وبينُوا)، البيان هو حق الموارد البشرية في المعرفة وواجب الجهات المسئولة في المكاشفة. وفي الحوكمة، وتفعيل مبدأ الإفصاح والمساءلة الذي يربط الشرعية بالصدق.
أما أخلاقيًا، فان الأمر يتعلق بتوبة العقل قبل القلب، لأنه ذلك يحرر الإنسان من الخوف ويمنح المؤسسات شجاعة مواجهة الحقيقة.

“وبيّنوا” بهذا المعنى ليست كلمة في آية، بل منهج حياة يُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والنظام والمعرفة. فمن يُبيّن، لا يُدان… بل يُطهَّر.

١ نوفمبر ٢٠٢٥……

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى