حين يختل العهد في التجارة والكرسي

سعيد محمد عبيد بن زقر

في عالم الأعمال العائلية، ليست الأزمات وليدة لحظتها او وليدة الأرقام أو المنافسة، بل وليدة النية حين تنحرف.
وحين تأملت خواتيم سورة مريم — وفدًا، وردًا، عهدًا، ولدًا، إدًّا، هدًّا — رأيت فيها قصة بعض الشركات العائلية كما نعيشها في منطقتنا: تبدأ مكرَّمة، وتُبتلى بالاختبار، ثم تنهض من تحت الأنقاض.

“وفدًا” هي البداية النقية.
جيل المؤسس الذي دخل السوق كوفدٍ إلى الرحمة، يحمل نية العطاء لا الاستيلاء.
لذلك كل خطوة كانت تقرّبهم من معنى الرزق، لا من زخارف المال.
العمل كان عبادة، والاسم العائلي كان عهدًا مع الله قبل أن يكون علامة تجارية.

ثم يأتي “وردًا”… مرحلة الورود إلى النار، ولكنها نار الدنيا:
حين تُمدّ اليد إلى رزقٍ لم يُكتب لصاحبه، فيأخذ أحد الورثة ما ليس له — لا طمعًا في المال فحسب، بل في الكرسي والصيت والسلطة.
تتحول الشركة من وفدٍ جماعي إلى وردٍ فردي؛ من بيتٍ يجمع، إلى نارٍ تلتهم.

ويأتي التحذير في “عهدًا”: فالعهد هنا هو الرابط الأخلاقي الذي يُبقي المال حلالًا، والإدارة عدلًا.
من خان العهد خان نفسه، ولو ظنّ أنه انتصر.
إن الله يبارك في الشفافية، لا في الحيلة.
كم من مؤسسةٍ كانت كالجبل، ثم انهدّت لأن أحدهم ظنّ أن الرزق يُؤخذ لا يُؤتى.

ثم تبدأ مرحلة الغرور — “ولدًا” — حين يتحول الاسم العائلي إلى عبادةٍ خفية.
يظنّ الأبناء أن نسبهم يحميهم من سنن العدالة، وأن الشركة تحمل البركة لمجرد أنها “عائلية”.
لكن سنة الله لا تُحابِي أحدًا؛ حين يُتخذ الاسم مقام الإله، ينهار المعنى ويُستبدل الشكل بالجوهر.

ثم تأتي “إدًّا” — الانكشاف العظيم.
الأزمات، القضايا، التفكك، خروج المخلصين، تَكشُف النيات. فكل ما بُني على غير وجه حق يُفضَح ولو بعد حين. لأنه حين يختل العهد بين الانسان وربه وماله لا يسقط السوق اولاً بل تسقط النية.
و (الإدّ ) هو لحظة الصدق القاسية التي لا ينجو منها إلا من حفظ العهد الأول.

وأخيرًا “هدًّا”… حين تنهار الجبال.
لكن انهيارها ليس نهاية. اذ كل بيتٍ تجاري سقط لأنه ظَلَم، يُمنح فرصة ليقوم من جديد إذا عاد إلى الأصل: إلى استئناف مسيرة الرزق الحلال، وإلى العدل بين الأبناء، وإلى النية التي تُقيم لا تُسيطر.
الهَدّ هنا هو رحمة الخالق حين يهدم ما فسد ليُبنى من جديد على طهارة.

وهكذا، تتكرر الدائرة في حياة كل عائلة:
وفدًا حين تؤسس بنية الخير، وردًا حين تمتد الأيدي بغير حق، عهدًا حين يُستعاد الميزان، ولدًا حين يُعبد الاسم، إدًّا حين تنكشف الحقيقة، وهدًّا حين تُعاد الولادة.
هي ليست قصة شركة، بل قانون الرزق الإلهي في دنيا البشر.

المقال من تاملات في الآيات (من سورة مريم 85–90):
{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا، لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا، وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}.
………
1 نوفمبر 2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى