امتحان القلوب بين الأدب النبوي والعقل المعاصر

سعيد محمد بن زقر

ان القلوب تُبتلى كما تُبتلى الأجساد، ولكنّ ابتلاءها أدقّ وأخفى، لأنه يقع في ميدان الإيمان لا في ظاهر الأعمال.

ولقد كان الامتحان في زمن النبوة واضحًا جليًّا في الموقف بين يدي الرسول ﷺ، إذ امتحن اللهُ القلوب بخفض الصوت، كما امتحنها بالتسليم لأمره والوَقَار في حضرته.

قال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ”
(سورة الحجرات، الآية 3)

ويصح الاستنتاج بأن الأدب النبوي… أدب القلب قبل اللسان. اذ لم يكن خفض الصوت عند رسول الله ﷺ خفضًا للنغمة فحسب، بل خفضًا للأنانية أمام الوحي، وسكونًا للنفس عند حضور الحق.
فالأدب الظاهر كان مرآةً لأدب الباطن؛ إذ لا يغضّ الصوت إلا من غُضَّت جوارحه بالتقوى. إنه أدب القلوب لا أدب الأجساد، أدب الإيمان لا أدب العادة.
يقول الإمام الشافعي في هذا السياق:
“تعلَّم الأدب قبل أن تتعلَّم العلم.” لأن الادب عنده ميزان القبول، إذ لا يَثبت العلم في قلبٍ لم يتأدب مع الحقّ وأهله.
وهذا المعنى يعني أنّ المؤمن ينبغي أن يدرك أن الموقف بين يدي النبي ﷺ بتحول إلى الموقف بين يدي سنّته.
فإذا كان الامتحان في عهد النبوة هو خفض الصوت في حضرة الرسول ﷺ، فإن الامتحان في عصرنا هو خفض الجدل في حضرة سنّته.
فكما كانت الأصوات ترتفع عنده فيغضب الله لها، ترتفع اليوم أصوات العقول والآراء فوق صوته حين يُقال:

“هذا الحديث آحاد”، أو “هذا النص لا يوافق روح العصر”!

كأنّ القلوب لم تُختبر بعد، ولم تدرك أن التقوى ليست في كثرة الرواة، بل في صدق الرواية وثبوتها، وأن العاقل من سلَّم للوحي كما سلَّم للقرآن الذي أمر باتباعه.
يقول الإمام الشافعي:
“كل ما قلتُ، وكان عن النبي ﷺ خلافُ قولي مما يصح، فحديث النبي أولى، فلا تُقلّدوني.”
واذا كان هكدا الشافعي يضع ميزان التسليم للسنّة فوق ميزان الرأي والعقل، فانه يعني إيمانًا بأنّ العقل تابعٌ للوحي لا حاكمٌ عليه.

خبر الواحد… وامتحان الإيمان
قالوا: كيف نؤمن بخبرٍ لم يُروَ إلا عن واحد؟
فقيل لهم: أليس الإيمان كلّه بدأ من واحد؟

ومن أنكر خبر الواحد في السنّة، فليتأمل أن الله جعل النبوة نفسها خبرًا واحدًا، صدّق به المؤمنون فكانوا من المفلحين.
ولهذا قال الإمام الشافعي: ” من استبانت له سنّة رسول الله ﷺ، لم يكن له أن يدعها لقول أحد.”
فالإيمان ليس في كثرة الشهود، بل في نور الدليل، ومن سلَّم للوحي فقد سلَّم للعقل الحقّ الذي خلقه الله هاديًا لا متكبّرًا.

الامتحان الباقي إلى يوم الدين
امتحان القلوب باقٍ إلى يوم الدين، لكنه لم يعد في الصوت، بل في ميزان القبول والردّ. فمن قدّم عقله على نوره ﷺ فقد رفع صوته في غيابه، ومن خفض هواه أمام سنّته فقد امتحن الله قلبه للتقوى.
وصدق الإمام الشافعي حين قال:
“العقل عقلان: عقلٌ مطبوع، وعقلٌ مسموع؛ ولا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع.”.
فالقلب هو موضع الفهم، والعقل الحقّ هو الذي يخضع للوحي، لا الذي يتكبّر عليه.
ولهذا فإن النداء لمن يمضي في طريق الهداية ان نقول يا من تبحث عن النور والهداية، لا تنظر إلى كثرة القائلين، بل إلى صدق القول وثبوته عن سيد المرسلين ﷺ. فذلك هو الصراط المستقيم الذي لا يزيغ عنه إلا من أُعجب برأيه، وذاك هو الامتحان الأعظم الذي لا ينجح فيه إلا من خشع قلبه قبل لسانه، وخضع للوحي قبل أن يخضع للمنطق والهوى.
ويصح الاستشهاد بكلمة الإمام الشافعي الخالدة: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.”
إذ ذلك هو التواضع الحقيقي للعقل أمام نور النبوة، وهو مفتاح النجاح في امتحان القلوب في حضرة نصوص السنة النبوية الشريفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى