التربية والشركات العائلية قراءة معاصرة في مكارم الأخلاق للخرائطي
الصمت فضيلة مركزية في التراث الإسلامي، يعكس حكمة وضبطًا للنفس كما يراه الخرائطي. وتكمن في فضيلة الصمت فوائد دينية ونفسية واجتماعية، فهو وسيلة للنجاة من آفات اللسان، ووسيلة للتأمل الذاتي، وتعزيز الإبداع، وتقليل التوتر، وتحسين العلاقات. وعلماء النفس يقولون إن الصمت يعزز الوضوح الذهني، والوعي الذاتي، والإنتاجية، كما أنه يحفظ الكرامة ويكسب صاحبه الاحترام.
يقول بعض الخبراء إن الصمت يكسو صاحبه الوقار، ويزين العالم، ويكسبه الهيبة، ويجنب الإنسان شر اللسان الذي يحصد صاحبه بسبب آثامه. كما أن الصمت دليل على الحكمة، ودليل العاقل هو التفكر، ودليل التفكر هو الصمت.
ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه: “تعلموا الصمت كما تتعلمون الكلام، فإن الصمت حكمٌ، وقليلٌ فاعله.” هذا الربط بين الحكمة والصمت يُظهر أن الصمت ليس ضعفًا أو هروبًا، بل ممارسة أخلاقية مدروسة تحفظ للإنسان كرامته وتنمّي إدراكه.
في التعليم، غالبًا ما يكون الصمت سلبيًا حين ينتج عن الخوف أو انعدام الثقة، لكنه يتحوّل لفضيلة إذا كان وسيلة للتأمل والتركيز. لذلك يجب خلق بيئة تعليمية تشجّع الحوار الصادق وتمنح الطلاب فرصة التعبير، مع تعزيز قيم الصمت الحكيم ساعة التروي والإنصات.
أما في الأعمال العائلية، للصمت أبعاد حساسة جدًا. أحيانًا يصمت البعض احترامًا للكبار أو هروبًا من نزاع، لكن هذا الصمت إذا استمر بلا حوار يؤدي إلى تراكم التوتر وسوء الفهم في بيئة الشركة. وقد تواجه الشركات العائلية، خاصة في السعودية والخليج، تحديًا في نقل القيادة أو توزيع المسؤوليات، حيث يخشى الشباب أو النساء التعبير خوفًا من كسر العادات أو الصدام مع الجيل الأكبر. ولعله من الحلول البديلة أن تبدأ الشركات العائلية بتفعيل مجلس عائلي إداري يتيح لجميع أفراد العائلة التعبير عن آرائهم، وتنظيم لقاءات دورية منتظمة تسمح بمناقشة المشكلات وجمع المقترحات للحلول. ومن المهم أيضًا وضع سياسات مكتوبة لتوزيع المهام والتدرج الوظيفي، واللجوء إلى وسطاء أو خبراء خارجيين عندما تعقّد الخلافات وذلك لتحقيق قرارات عادلة وبيئة عمل مستقرة.
هذه البيئة الحوارية يمكن أن تؤدي إلى ثقافة تحقق الانسجام والتفاهم وتمهد لبيئة عائلية آمنة، يتحول فيها الصمت من كبت للخلاف إلى مهارة تُستخدم حين تُغني النقاش أو تمنح الآخرين فرصة التفكير. النجاح في الشركات العائلية يرتبط بالموازنة بين الصمت الاستراتيجي والحوار المنظّم، مما ينتج منظومة متماسكة تدعم استمرار العمل وتطوّر العلاقات داخل الأسرة والعمل. بهذه الطريقة يصبح الصمت مقوّماً مهماً لبناء مؤسسات عائلية ناجحة وأسر متفاهمة.
