سوق الاستشارات السعودية: انتهاء زمن “الشيك المفتوح” وبداية معايير جديدة

سعيد محمد بن زقر

يشهد قطاع الاستشارات في المملكة تحولًا جذريًا في عام 2025، بعد سنوات من النمو الهائل الذي صاحب إطلاق مشاريع رؤية 2030. فعلى الرغم من استمرار حجم السوق وضخامته، تشير التقارير الأخيرة إلى أن وتيرة التوسع أصبحت أبطأ بكثير. فقد انخفض معدل النمو المتوقع من نحو 25% في عام 2024 إلى ما بين 11% و13% في 2025، وذلك في ظل تصاعد العديد من التحديات والضغوط التنظيمية والاقتصادية.

فمن جهة صار الإنفاق الحكومي اكثر تركيزا فضلاً عن بروز التوطين. فالقطاع العام السعودي والصناديق السيادية أخضعت الإنفاق لمستويات تدقيق أعلى ومعايير مواكبة لضمان القيمة مقابل المال، ما جعلت الفترة الماضية بـ”عهد الشيك المفتوح”. كما أن، بروز أجندة توطين الوظائف، يدفع الشركات الاستشارية بتوظيف نسب أعلى من السعوديين وتقديم خطط تدريب وتأهيل حقيقية كشرط لاستمرار العمل داخل السوق المحلي.
ولهذا تشير بيانات وردت في تقرير بلومبيرغ لعام 2025 إلى أن القطاع العام السعودي يفرض قيودًا إضافية على تحويل العقود الإستشارية الكبيرة، بينما أُوقفت بعض العقود مع شركات عالمية بارزة بسبب مراجعات الأداء وضعف نسب التوطين، في خطوة وصفها مراقبون بمحاولة لدفع القطاع نحو نمو أكثر استدامة وكفاءة في الاستفادة من الخبرات الأجنبية.

ومن المؤشرات تصاعد المنافسة المحلية وتغير أولويات المشاريع. فقد
شهد السوق أيضًا تصاعدًا ملحوظًا في قدرات الشركات السعودية وتطور الكفاءات المحلية؛ وارتفع عدد الشركات المحلية المرخصة في مجال الخدمات الاستشارية بنسبة تقارب 30% منذ 2022، مما خلق بيئة تنافسية رفعت من جودة وكفاءة الخدمات المقدمة. إلى جانب ذلك، أصبح العملاء في المملكة أكثر دراية وخبرة في تقييم المخرجات وقياس العائد على الاستثمار من الخدمات الاستشارية.
كما تم إعادة تقييم أو تأجيل بعض مشاريع رؤية 2030 الكبرى، وتحويل التمويل إلى المشاريع ذات الأثر العاجل أو الأهمية القصوى، خاصة في قطاعات الصناعة والبنية التحتية. وتشير مصادر اقتصادية إلى أنه في ظل تراجع أسعار النفط أحيانًا وزيادة التحديات الجيوسياسية، فضّلت المؤسسات تركيز المالية العامة على مشاريع مستدامة ذات عوائد اقتصادية طويلة الأمد.

وهذا ما يطرح تساؤلات حول مستقبل القطاع: ومدى الحاجة لإعادة التموضع.
فهذه التغيرات لا تعني فقدان سوق الاستشارات لأهميته، بل هي بداية لحقبة جديدة من العمل المتخصص القائم على الكفاءة والابتكار وتطوير الكوادر الوطنية. ويبرز دور الشركات الصغيرة الناشئة والجهات الحكومية في تدريب وتطوير الكفاءات السعودية لسد النقص وخلق منظومة متكاملة تستطيع تقديم خدمات نوعية عالية المستوى، والتقليل التدريجي من الاعتماد الكامل على الشركات الأجنبية.
وفي حين يرى بعض المراقبين أن الاستشارات الدولية ستظل مطلوبة في المشاريع المعقدة والتحول الرقمي ونقل المعرفة، فإن ذلك يتم وفق شروط القيمة المضافة الفعلية واستراتيجيات نقل التكنولوجيا، مع التزام صارم بالتوطين وتدريب السعوديين في جميع المستويات.
إذا، يتجه السوق السعودي نحو بيئة أكثر احترافية وعدالة، مما سيساهم في تعزيز جودة المنظومة الصناعية ودعم تنمية مهارات الجيل القادم من القادة السعوديين. إن بناء قطاع استشاري وطني قوي، مدعومًا بشراكات نوعية مع الخبرات العالمية، هو ركيزة أساسية لتحقيق أهداف رؤية 2030 وتعزيز استدامة الاقتصاد الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى