كارجيل: من الإفلاس المبكر إلى العملاق المجهول

سعيد محمد بن زقر

عندما نسمع عن الشركات العملاقة في العالم، غالبًا ما تتبادر إلى الأذهان أسماء مثل مايكروسوفت، آبل، أو تسلا. لكن قلة قليلة تعرف أن هناك شركة أمريكية تُدعى كارجيل (Cargill) تُعد اليوم واحدة من أكبر الشركات متعددة الجنسيات في العالم بإيرادات سنوية تتجاوز تريليونات الريالات، رغم أنها مرّت بتجربة إفلاس عند عمر الأربعين.
تأسست كارجيل عام 1865م كشركة صغيرة لتخزين الحبوب ونقلها عبر السكك الحديدية في داخل الولايات المتحدة. ورغم نموها السريع، واجهت الشركة في بدايات القرن العشرين إدارة مالية متعثرة وسياسات توسع عشوائية أدت إلى فقدان السيولة وإشهار الإفلاس. وكادت هذه الضربة أن تنهي أحلام المؤسسين ولكنها عوضا عن ذلك تحولت إلى نقطة تحول تاريخية؛ حيث انتهزت عائلة كارجيل الفرصة وقامت بإعادة هيكلة الشركة، وبإدخال أنظمة حوكمة أكثر صرامة، والتركيز على تخصصها الأساسي: الزراعة والتجارة العالمية في الغذاء.

وتُعتبر كارجيل اليوم، المورد الخفي لسلاسل الإمداد الغذائية في العالم. فهي تسيطر على تجارة الحبوب والزيوت واللحوم، وتلعب دورًا رئيسيًا في صناعة الأعلاف والمواد الخام. ورغم ضخامتها، تفضّل الشركة العمل بعيدًا عن الأضواء، مدفوعة بهيكلها العائلي المغلق الذي لا يطرح أسهمه في البورصة. والنتيجة: وجود كيان استراتيجي ضخم مجهول نسبيًا للعامة ولكنه معروف جيدًا للحكومات والمؤسسات الكبرى.

لماذا يورد كاتب السطور قصة صعود وهبوط هذه الشركة؟ ان الهدف استلهام الشباب وروّاد الأعمال السعوديين الدروس والعبر من هذه التجارب الناجحة.

  • فالإفلاس ليس النهاية: وتجربة كارجيل توضح أن التعثر ليس إلا محطة في مسار نجاح طويل، إذا قوبل بالشجاعة لإعادة البناء.
  • التخصص مفتاح البقاء: الشركة أعادت تعريف نفسها من جديد عبر التركيز على مجال محدد (الأغذية والزراعة) بدل التشتت. للشركات الناشئة السعودية، التركيز أهم بكثير من التوسع العشوائي.
  • الحوكمة والانضباط المالي: النجاح السريع قد يؤدي إلى تهاون في الإدارة. التزام الشركة لاحقًا بالقواعد المالية الصارمة هو ما حفظ استدامتها. الدرس واضح: إدارة السيولة والتحكم في المخاطر تسبق النمو.
  • العمل بصمت يصنع أثرًا: ليس كل نجاح يتطلب ضجيجًا إعلاميًا. أحيانًا صناعة القيمة الحقيقية تكون خلف الكواليس في سلاسل الإمداد والأسواق العالمية. الشباب بحاجة للنظر في الفرص غير اللامعة إعلاميًا لكنها محورية اقتصاديًا.

والشيء بالشيء يذكر ففي كتاب
الفوضى: الصعود المستمر لشركة الهند الشرقية) للمؤرخ الأسكتلندي “ويليام دالريمبل اشارات إلى أن الشركات الأكثر ربحية وإبداعًا يمكن أن تتحول بسهولة إلى أدوات للاستغلال إذا غابت عنها المساءلة والحوكمة الفعالة والإدارة السليمة. وبهذا المعنى، يقترب الكتاب من أن يُصنّف كواحد من الكلاسيكيات الحديثة لتحليله الدقيق لتدهور الشركات الكبرى عندما تُترك بلا رقيب.
صحيح أن الشركات الضخمة اليوم تفتقر إلى القوة العسكرية التي امتلكتها شركة الهند الشرقية، التي تحدث عنها الكتاب ولكن ولحسن الحظ، فإن حوكمة الشركات قد تطورت بشكل كبير خلال القرنين الماضيين. ومع ذلك، تبقى هذه الكيانات قوية بشكل لا يصدق. اذ تشير الإحصاءات إلى أنه من بين أكبر 100 كيان اقتصادي في العالم – سواء كان أفرادًا أو منظمات – تمثل الشركات نحو 70% منها. ويشير تقرير (ذا كونفرسيشن) ان هذه الشركات الكبرى التي تهيمن اليوم على التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، الذي قد يجعلها تبدو في ظاهرها أكثر سلمًا وأقل تهديدًا. ولكن مع ذلك، تذكرنا اوضاعها بعوامل انهيار شركة الهند الشرقية البريطانية.
فالحوكمة هي من العواصم من الانهيارات.
وخاتمة القول إن كارجيل لم تولد عملاقًا، بل صنعت رحلتها عبر سلسلة أزمات، إعادة تحول، وانضباط طويل المدى. ولهذا فإن النصح للشباب السعودي، خاصة أولئك المقبلين على تأسيس مشاريع في قطاعات مثل الأغذية، والتقنية الزراعية، أو الصناعة، فان في قصة كارجيل تذكير قوي أن الفشل المؤقت يمكن أن يكون بداية النجاح الأعظم، خاصة إذا ما ترافق برؤية واضحة والتزام صارم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى