حقيقة مسكوت عنها إسرائيل دولة بلا حدود رسمية

سعيد محمد بن زقر

إذا كانت اسرائيل وصفت بالدولة المارقة فانها ايضا دولة بلا حدود رسمية وبلا حدود في خرق القوانين الدولية. لذلك هناك ضرورة لموقف دولي موحد وحازم من هذه الدولة لان عدم وجود حدود يعني الاعتداء على اراضي الدول المجاورة وقد صارت هذه القضية
حقيقة قانونية مسكوت عنها.
وتقف إسرائيل اليوم كحالة استثنائية فريدة في القانون الدولي المعاصر – دولة لا تملك حدوداً رسمية متفقاً عليها دولياً منذ تأسيسها عام 1948. هذه الحقيقة، رغم وضوحها القانوني، تُهمّش في الخطاب السياسي الدولي، بينما تكشف عن نمط سلوكي يُشير بوضوح إلى النوايا التوسعية والاستعمارية.

فبينما تتمتع إسرائيل بحدود رسمية معترف بها دولياً مع مصر والأردن فقط – المُقرَّة في معاهدات السلام عامي 1979 و1994 على التوالي – تبقى حدودها مع سوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية محل نزاع دولي مستمر. إن رفض إسرائيل المتكرر لترسيم حدودها النهائية يُعارض قرارات مجلس الأمن الدولي، خاصة القرار 242 الذي نص على ضرورة وجود “حدود آمنة ومعترف بها”.

انتهاكات ممنهجة للقانون الدولي

لا تقتصر المسألة على غياب الحدود المُتفق عليها، بل تمتد إلى انتهاكات جسيمة ومستمرة للقانون الدولي. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في قرارها التاريخي بتاريخ 19 يوليو 2024 أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ 1967 غير قانوني, وأن المستوطنات الإسرائيلية تُشكل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة.
الأرقام تتحدث بوضوح مؤلم: أكثر من 700,000 مستوطن إسرائيلي يعيشون اليوم في الضفة الغربية والقدس الشرقية, في انتهاك مباشر للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة. وخلال العام الماضي وحده، أُنشئ 49 موقعاً استيطانياً جديداً غير مُرخص، وهو رقم قياسي.

الثمن الإنساني المتصاعد

إن السياسات التوسعية الإسرائيلية لا تُشكل انتهاكاً قانونياً فحسب، بل تُلحق دماراً إنسانياً هائلاً. فقد دُمرت أكثر من 214 منشأة فلسطينية في القدس الشرقية وحدها خلال عام واحد, بينما يواجه الفلسطينيون قيوداً متزايدة على حرية الحركة والوصول إلى أراضيهم الزراعية.

في غزة، التي تُعتبر محتلة قانونياً رغم “الانفصال” الإسرائيلي عام 2005, يُعاني مليونان من الفلسطينيين من حصار خانق يحرمهم من أبسط ضروريات الحياة. هذا الحصار الذي يُصنف قانونياً كشكل من أشكال العقاب الجماعي, يُقوّض الحق الأساسي في الحياة الكريمة.

الضرورة القانونية للعمل الدولي

لا يُمكن للمجتمع الدولي أن يبقى مُتفرجاً على هذه الانتهاكات الممنهجة. فالقانون الدولي يُحتّم على جميع الدول – بلا استثناء – عدم الاعتراف بأي مكاسب إقليمية حُققت بالقوة. كما تُلزم محكمة العدل الدولية الدول بـ”عدم تقديم المساعدة أو المعونة في الحفاظ على الوضع غير القانوني” في الأراضي المحتلة.

إن 147 دولة من أصل 193 عضواً في الأمم المتحدة تُقر بالدولة الفلسطينية, وهو ما يُشكل إجماعاً دولياً واضحاً على حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. هذا الإجماع يُترجم إلى التزام قانوني بضرورة اتخاذ إجراءات عملية لحماية هذه الحقوق.

الأدوات الاقتصادية والقانونية المتاحة

تملك الدول اليوم ترسانة واسعة من الأدوات القانونية والاقتصادية للضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها:

الإجراءات الاقتصادية: يُمكن للدول تطبيق عقوبات اقتصادية متدرجة، بدءاً من حظر تجاري جزئي على منتجات المستوطنات وصولاً إلى تعليق اتفاقيات التجارة الثنائية. تركيا، على سبيل المثال، علّقت جميع الصادرات والواردات مع إسرائيل في مايو 2024, بينما تُقيد إسبانيا دخول السفن والطائرات التي تحمل أسلحة متجهة لإسرائيل.

الإجراءات القانونية: تُوفر المحاكم الدولية، خاصة محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، آليات فعّالة لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها. كما يُمكن للدول استخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب.

الضغط الدبلوماسي: من خلال إعادة النظر في العلاقات الدبلوماسية، ومنع الاعتراف بالمكاسب الإقليمية المُحققة بالقوة، ودعم العضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة.

لماذا اليوم قبل الغد؟

إن التأخير في اتخاذ موقف حازم لا يُعمّق معاناة الشعب الفلسطيني فحسب، بل يُقوّض أسس النظام القانوني الدولي برمته. كل يوم تمر فيه الانتهاكات الإسرائيلية دون محاسبة، يُرسل رسالة خطيرة مفادها أن القوة تعلو على القانون، وأن المعايير المزدوجة مقبولة في العلاقات الدولية.

إن الاتحاد الأوروبي، الذي يُعتبر أكبر شريك تجاري لإسرائيل، أعلن في سبتمبر 2025 عن خطط لفرض عقوبات على مسؤولين إسرائيليين ورفع التعريفات الجمركية على بعض المنتجات الإسرائيلية. هذه خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تبقى غير كافية أمام حجم الانتهاكات.

دعوة للعمل

إن الوقت حان لكي تُترجم الدول التزاماتها القانونية إلى أفعال ملموسة. المطلوب ليس مجرد بيانات إدانة أو قرارات رمزية، بل إجراءات اقتصادية وقانونية حقيقية تُجبر إسرائيل على احترام القانون الدولي وإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية.

إن العدالة المؤجلة عدالة مُنكرة، والصمت أمام الانتهاكات الممنهجة للقانون الدولي يُشكل تواطؤاً ضمنياً معها. اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج العالم إلى موقف موحد وحازم يُعيد الاعتبار لسيادة القانون الدولي ويُحقق العدالة المنشودة للشعب الفلسطيني.

إن التاريخ سيحكم على الذين وقفوا مع العدالة والقانون الدولي، وعلى الذين اختاروا الصمت أمام الظلم. والخيار اليوم واضح: إما العمل الفوري والحازم لإنهاء هذا الوضع غير القانوني، أو تحمّل المسؤولية التاريخية عن تفكيك النظام القانوني الدولي الذي بُني على أنقاض الحربين العالميتين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى