التوازن بين الأسباب، الرزق والهداية: قراءة معاصرة بروح الغزالي
الحمد لله الذي قسم الأرزاق بحكمته، وجعل الهداية هبة لمن جاهد في سبيله، ونشهد أن لا إله إلا هو، الفرد الصمد، والصلاة والسلام على خاتم الرسل الذي علّم البشرية الجمع بين السعي والتوكل، أما بعد:
لقد شغلت مسألة الجمع بين طلب الرزق والسعي للهداية أذهان العقلاء في كل عصر، بينما يأتي الجواب عند التأمل في سنن الله وآياته. في أحوال العمل والتجارة والدنيا، تأكد لنا بالتجربة كما علّمنا الإمام أبو حامد الغزالي في “إحياء علوم الدين” و”بداية الهداية” و”ميزان العمل” أن على الإنسان أن يسلك دروب الأخذ بالأسباب، باحثًا عن السبل الممكنة أمامه، مستكملاً أسباب السعي والاجتهاد.
لكن جوهر حكمة الغزالي كما فهمتها من كتبه، أن السعي ليس وحده القوة الفاعلة، بل هو مفتاح لباب التوكل؛ حيث يعمل الجسد ولكن يتيقن القلب أن العطاء والمنع بيد الله وحده، كما قال ﷻ: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}. ركز الغزالي في باب “فضيلة التوكل” و”بداية الهداية” على أن حقيقة التوكل ليست في ترك الأسباب أو الكسل، بل في الجمع بين الحركة الظاهرة وسكون النفس إلى تدبير الله.
اليوم تتعقد الأسباب وتتنوع، ومخاوف الفشل والحيرة أكثر من أي وقت، لكن ذكر الغزالي أن “الطمأنينة النفسية ثمرة قلبية”، وأن الرضا بما أعطى الله هو الغاية التي تجلب راحة الروح بعد السعي المشروع والاجتهاد الصادق. فمجال الرزق والهداية متداخلان: في كلٍّ منهما أمر أن نعمل، وأن نشهد ضعفنا بين يدي الله إقرارًا بأن فضل التيسير من عنده، وأن جهدنا لا يثمر إلا برحمته.
ومن أسرار النجاح المجتمعي ـ كما علمتنا تجارب العائلات التجارية القديمة في جدة وغيرها ـ أن التواكل آفة، وأن عمارة الأرض مقرونة بالمسؤولية، والبحث الدائم عن السُبل المباحة للنجاح مع إخلاص النية وتفويض أمر النتيجة للمولى الكريم.
في الختام، من يقرأ فكر الغزالي اليوم في “إحياء علوم الدين” و”بداية الهداية” و”ميزان العمل” يجد أن الموازنة بين السعي والتوكل والتماس الرزق والهداية هو النهج الذي يضمن سلامة الروح وإعمار الأرض. فاعمل وجاهد بلا اعتمادية ولا قلق، ثم سلّم الصدر لمن بيده الرزق والهداية وراحة القلب.
فان التوكل أمرٌ غاية في الاهمية، ونفعه في الدنيا والآخرة؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ: «يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب». قيل: من هم يا رسول الله؟
قال ﷺ: «الذين لا يكتوون، ولا يتطيرون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون».
يقول الاستاذ الدكتور علي جمعه والمفتاح هنا أنهم “على ربهم يتوكلون”.
ولابد من التنبه إلى الفرق بين “التوكل” و”التواكل”:
- فالتواكل هو ترك الأسباب، وهذا جهل.
- أما التوكل فهو: فعل الأسباب مع الاعتماد على الله.
وقد قيل: “ترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها شرك”.
وقد ثبت أن ترك الأسباب لم يكن من سنة الأنبياء عليهم السلام.
ويقول سيدنا النبي ﷺ: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا». فالتوكل مأمور به، وهو يولد الرضا والتسليم.
وقال رسول الله ﷺ: «من سره أن يكون أغنى الناس، فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يده».
