من أسباب غلاء الأسعار الاستيراد الموازي
في هذا المقال سأسلط الضوء على احدى أسباب غلاء الأسعار، بفتح دفاتر الأعمال التجارية وسلاسل الإمداد وسلاسل القيمة ودورها في تركيبة تكلفة المنتج وأسعاره. بالطبع المستهلك يشتري المنتج جاهز من الرف. والمنتجات الوطنية بحمد الله بالمملكة متوفرة بما تشتهي الأنفس وبما ترضي المستهلك وتلبي طلباته واحتياجاته داخل الاقتصاد السعودي. ويقف خلف تصنيع هذه المنتجات جهود غير مرئية ودعم سخي وكريم من حكومتنا الرشيدة حفظها الله. والجميع مكلف ليعمل ويسهر لتحقيق الرؤية في ظل منافسة عادلة ولله الحمد. مع ذلك دائماً توجد فرص للتطوير فالكمال لله. وهذا المقال يحاول أن يسلط الضوء على بعض الفرص ومجالات التحسين وسد أي ثغرة في الصناعة.
إن من طبيعة الصناعة أنها استثمار طويل المدى. والمستثمر في الصناعة يتحلي بالصبر إذ عليه ملاحقة الاستثمار في أحدث التقنيات والآليات والمكائن والروبورتات. إضافة للتعاقد لشراء مواد التغليف والتعبئة وضمان توفر المواد الخام ذات الصلة باعتبارها مدخلات تصنيع يجب استيرادها من موردين خارجين موثوقين. والمستهلك باعتباره من أصحاب المصلحة لابد أن تكون لديه الفكرة عن التصنيع ويكون في الصورة .
والمصنع في سبيل الاستمرارية لابد أن يتعاقد مع جهات متعددة تختصر بعبارة سلاسل الإمداد أي خطوط التجميع التي تُسلِّم السلع لأغراض الاستهلاك النهائي.ولكي تكون يضمن المصنع هذه الجهات يستلزم منه إبرام عقود توريد لمدة سنة أو سنتين وذلك لضمان توفير مدخلات الصناعة. وأما المكينة والمعدات والآليات والأجهزة ذات الصلة رغم تكلفتها العالية إلا أنها ضرورية للمستثمر الذي يعلم أنها لا تعود عليه بفائدة إلا بعد وقت طويل. وأي اضطراب في السوق ينعكس اضطراباً في خطط تشغيل المبيعات (SOP) وهي من أساسيات العمل في إدارة البيع والتكلفة وكيفية تحقيق الأربحية. هذا يعني أن المصنع يحتاج إلى تجارة وهذه التجارة هي أسواق الجملة والقطاعي واستخدام الجانب اللوجستي. المستهلك ليس لديه خلفية عن هذه التعقيدات فهو فقط يجد منتجا مكتملاً في الرف. ولكن خلف هذا المنتج جهود جبارة واستثمارات وعقود وتواصل مع موردين ولوجستيات متنوعة. ولكي يكون مستوى المنتج عال الجودة فإن تعاون القطاعين العام والخاص ضرورى. وخاصة فيما يتعلق بأسباب الغلاء واضطراب الأسعار وارتفاعها. هناك سبب أساسي يقف خلف الغلاء أو التضخم. هذا السبب لا يعلمه المستهلك ولكن تعلمه الجهات ذات الصلة. وهو الاستيراد الموازي. ويمكن تعريف الاستيراد الموازي بأنه التجارة في السلع منتجها أصلي من خلال قنوات التوزيع القانونية ولكنها غير المقصودة من قبل المصنع الأصلي أي هي نوع من السوق الرمادي ومحاولة من تاجر محلي لاقتناص الفرص للتربح من فرق التسعير في أسواق مختلفة وذلك بنقل منتجات تحمل نفس العلامة المحلية من سوق أعلى سعراً إلى سوق أدنى سعراً وتقاضي سعر بين هذين السعرين والاستفادة من الفرصة. لذلك نجد تاجر محلي لديه علامات تجارية أصلية تشابه المنتج المصنع محليًا ومكتوبة بلغة غير اللغة العربية وهي غالبًا مستوردة من الهند أو ماليزيا وأسعارها منخفضة لتواكب القوة الشرائية المحلية ومن هنا تظهر عروض أسعار من أولئك التجار الذين يقتنصون الفرص من أسواق في شمال أفريقيا أو جنوبها أو من شرق آسيا هذا يدفع التاجر المحلي للتوقف عن الشراء من المصنع المحلي ريثما تنجلي الأمور ولكنه خلال فترة التوقف يتعرض لخسائر وضغوط وتوقفه يؤثر في خطط المبيعات للمصنع وللتاجر نفسه. (فالعيار اللي ما يصيب يدوش كما يقول المثل) . فمهما تكن الكمية المطروحة قليلة فإنها ستضطر المصنِّــع المحلي لتعديل الهامش والأسعار لتلافي الخسائر ومقاومة ضغوط الخروج من السوق. هذا الإجراء يقعد بأسواق التصنيع المحلي وبالاقتصاد الوطني وبالاستثمار المحلي في الصناعة. في أوربا وأمريكا الشمالية تتوفر أنظمة تحمي أصحاب العلامات التجارية والصناعة المحلية على نحو ما تحمي عقود الوكلات التجارية الحصرية والتمثيل التجاري. وعبر هذا النظام تحفز التصنيع المحلي وتوطنيه ونقل خطوط الإنتاج والأبحاث وتحفيز زيادة الاستثمارات الأجنية وتوطين المكاتب الرئيسية للمستمرين إلى الداخل بكل خبراتها واستشاراتها.
اختم هذه السطور بأن حماية المنتج المصنع محليًا بموجب الننظام، لا تؤدي لغلاء الأسعار على العكس حماية المنتج المصنع محليًا يقربنا أكثر من المنافسة العادلة. بينما فتح الباب للاستيراد الموازي لكل من هب ودب يجعل المنافسة بين منتجات ذات جودة عالية مصنعة محليًا ومنتجات أخرى لا تحمل من جودة المنتج الأصلي إلا اسمه ورسمه. وهذا بالضبط ما يقوم به (تجار الشنطة) من صائدي الفرص. لقد تعلمت القارة العجوز والقارة الأمريكية من اضطراب الأسعار محليًا بأنها ليست من صالح المستهلك. لأنها تؤدي تلقائيا لإرتفاع التكاليف على المصنع المحلي مما ينعكس إرتفاعًا في الأسعار وتدريجيا يؤدي ذلك لتقويض السعة الإنتاجية وقد يقود للتفكير في أسواق بديلة للتصنيع والإنتاج. وهذا كله لا يخدم توجهات رؤية 2030 وبرامجها التي طالما راهنت على توطين التصنيع وتحفيز اسهامه في تنويع الإيرادات وفي استدامة النمو وفي اللحاق بالثورة الصناعية الرابعة.
