وانا أعجب من تعجبك
هذه عبارة عظيمة قالها الشيخ الدكتور سعيد محمد الكملي وهو يعلّق: “أنا أعجب من تعجبك”، وكأنه يوقظ العقول من غفلتها ويذكرنا بأن الدنيا ليست محلا للعدل المطلق، ولا لمكافأة الأعمال على ميزان مستقيم، وإنما هي ساحة ابتلاء وامتحان.
ولهذا فإن، كثيرين وخاصة من جيل الشباب يتساءلون: لماذا ينجح الظالم أحياناً ويثري المحتال ويُهمّش الصادق؟ لماذا يُبتلى التقي بالمرض أو الخسارة بينما ينعم العابث بالراحة والترف؟ وهنا يذكرك الشيخ بأن تعجبك في غير محله، لأن الدنيا لم تُخلق لتكون دار عدل تام، بل لتكون دار اختبار، لذلك لا يُقاس صلاحها ولا فسادها بعدل أو جور.
فما دلالات ان الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء
نحن نعيش في مرحلة مؤقتة، إطارها العمل والصبر، وليس الجزاء أو الراحة. لذا لا ينبغي أن ننتظر من الدنيا عدلًا مطلقًا؛ فالعدل التام مؤخر إلى دار الآخرة، حيث لا يضيع حق ولا تمحى دمعة، وحيث تقام الموازين بالقسط. أما في الدنيا، فموازينها مضطربة، وقوانينها مرهونة بالمصالح، وزينتها فانية.
وهناك حكمة لا بد أن نفهمها:
عندما تفهم أن الدنيا هكذا بطبيعتها، يزول عن قلبك كثير من الغضب والحيرة. ولن تتعجب من قوة الظالم ولا من غنى الطامع، ولن ينكسر قلبك من قسوة الناس، لأنك تعلم أن هذا هو مسار الدنيا منذ نشأتها. وكل ما أنت مأمور به هو الصبر، الثبات، والسعي فيما يرضي الله.
فما الرسالة التي ينبغي أن توجه للشباب؟
- لا تُعلّق قلبك بالدنيا وكأنها ستعطيك كل ما تستحق.
•تذكّر أن نجاح الظالم ليس نهاية القصة، وأن خسارتك في الدنيا ليست نهاية الطريق.
•اسع لإصلاح نفسك ومجتمعك، لكن ضع يقينك بالله لا بأحكام الدنيا.
•اجعل همك العمل للآخرة، فهي دار العدل الحقيقي والجزاء الحق.
ولهذا أُطلق على الدنيا وصف انها “زوال” وأنها دار “غُرور”، حيث أن ما يُعطى فيها يُؤخذ، وما يُبنى فيها يزول، وأنها دار ابتلاء واختبار لكي نعدّ لمرحلة الآخرة الباقية . لذا، فإن من يلتفت إلى الدنيا بالكامل يغفل عن هدفه في دار الآخرة، ومن يشغل نفسه بالخلق ينسى خالقه. ويُقال إنّ العمل للآخرة هو غاية الحياة، وأن من سعى في الدنيا دون عمل للآخرة فقد ضيع نفسه. والمعادلة الذهبية أعمل لدنياك كانك تعيش أبدا واعمل لآخرتك وكأنك تموت غدا.
وينسب للامام علي بن أبي طالب) – رضي الله عنه انه سئل -: (يا أمير المؤمنين، صف لنا الدنيا، فقال: وما أصف لك من دار من صح فيها ما أمن، ومن سقم فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، في حلالها الحساب، وفي حرامها العذاب).
ولعل أروع ما قاله ابن القيم عن الدنيا هو أنها دار فناء وزوال، لا تستحق همَّ العبد، وأن أعظم الربح في الدنيا هو شغلها بما ينفع في الآخرة، ودعوةٌ إلى عدم حمل هم الدنيا أو الرزق أو المستقبل، بل حمل همِّ إرضاء الله تعالى وحده، فهو يكفيك ويغنيك ويرضيك.
فما مضى من الدنيا أحلام، وما بقي منها أماني، والوقت ضائع بينهما،: فالدنيا سراب راحل لا يدوم بها قرار.
وخلاصة القول: عبارة “أنا أعجب من تعجبك” ليست مجرد استغراب، بل صيحة وعي. كأن الشيخ يقول: كيف تتعجب من واقع الدنيا وهي لم تُخلق إلا هكذا؟ فاجعل همك أكبر من متاعها، وانظر إليها بميزانها الحق: دار ممر لا دار مقر. مضى منها أحلام، وما بقي منها أماني، والوقت ضائع بينهما،: فالدنيا سراب راحل لا يدوم بها قرار.
