من هلسنكي إلى جدة

في سبتمبر عام 1950 التحق عمي وهيب  رحمة الله عليه، وعمي فيصل أطال الله في عمره بكلية فيكتوريا والتي انتقلت من حي شبرا إلى حي المعادي القاهري المعروف. وفي 23 يوليو عام 1952م كما هو معروف قامت الثورة، فتم الترتيب لنقلهما من القاهرة إلى إنجلترا، ضمن عدد من زملائهم السعوديين. وإن كان بعض من تلك الدفعه ذهب إلى أمريكا. وكما يقول المثل الإنجليزي the rest is history أي ما تبقى من الرواية صار تاريخا.

لهذه المقدمة صله، بموضوع اليوم. وهو سفر سيدي  ، الذي كان يسافر للكثير من دول العالم ربما بوحي من قول الإمام الشافعي: تغرب عن الأوطان في طلب العلى وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفريج هم واكتساب معيـــشة وعلـــم وآداب وصحــبة ماجد. أو قوله:

سافر تجــــد عوضــــــا عمـــــن تفارقــــــــه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

إنـــــي رأيــــت وقــــــوف المـــــــاء يفــــــــــســده ان سال طاب وإن لم يجر لم يطـــــــب

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة لملها الــــناس مــــن عجـــــم ومـــــن عــــرب

سأتناول في مقال آخر بإذن الله ، قصة سفر سيدي لمقابلة شركة عرفت فيما بعد بشركة يونيلفر. ولكني أشير سريًعا إلى الصدف العجيبة. فقد كان سيدي في احدى سفراته يجلس بالصدفة إلى جواره والد صهري الأخ رامز الدغيثير الرشيد. وحيث أن سيدي سعيد لم يكن يجيد الإنجليزية فقد كان لتلك الرحلة ما بعدها. أخي وصهري رامز بحكم العمر، لم يكن يعرف سبب سفر والده في تلك الرحلة. ولكن كل ما حدث فيما بعد، يؤكد حقيقة قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) وأن لامانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت. والشاهد أن جدي رحمه الله رغم أنه لم يكن يتحدث الانجليزية وليس معه مترجمًا ولكنه كان متوكلا على الله وكان يسافر لمقابلة إدارات أكبر الشركات العالمية.

والشيء بالشيء يذكر كاتب السطور هو القنصل الفخري لفلندا، وفي احدى رحلاتي لفلندا قابلت السيد يارنو بيلتونين رئيس مجلس إدارة المعهد العربي الفلندي. وكنت أتحادث معه حول سفر جدي لتلك البلاد، وذكر حادثة غيرت في تفكيره حين كان في الخامسة عشر من العمر. فقد كان السيد يارنو، كالعادة يستخدم دراجته عائدًا من المدرسة. وأثناء عبوره جسرا شهيرا في هلسنكي اسمه هامينسلتا ، راى رجلاً يرتدي زياً لم يكن مألفوفًا له. وشرع في وصف الزي السعودي وشكل البشت المذهب والعقال والشماغ. وأضاف أثناء تأمله سرح بخياله لحد كاد أن يصدم بالسيارات التي كانت تعبر الجسر.

وقد وجدت مقالا نشر في الصحف الفلندية بتاريخ 30-9-1950م وفيه صورة سيدي سعيد رحمه الله وتطابق تماما ما وصفه. وفى رحلة من رحلات سيدي سعيد لفلندا ، عرف أن هناك جالية مسلمة بهلسنكي. فزارهم وتعرف عليهم وحاول أن يساهم معهم في بناء مسجد. ولكن الإجراءات البيروقراطية وقتئذ حالت دون بناء المسجد. ثم واصل علاقاته مع الفلنديين ونمت صلات تجاريه وتوطدت إلى حد أنهم اختاروه ليكون قنصلا فخريًا لدولة فلندا بالمملكة. واستمر كذلك إلى وفاته، ليخلفه والدي محمد عبيد بن زقر في تولي مسئولية القنصل الفخري. فهذه قصص من الإرشيف ليست للحديث عن سفر سيد سعيد رحمه الله وإنما لأنها تجسد ما روي عن عمر الفاروق رضي الله حين رأى بعض الناس فى المسجد بعد صلاة الجمعة فسألهم: من أنتم ؟ قال: متوكلون، قال: بل أنتم متواكلون.لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقنى، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض، أما سمعتم قول الله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله).

وغير ذلك من الهدي النبوي ونصوص القرآن الكريم التي تحثنا على العمل والإنتاج والأسفار، لإعمار الأرض بالسير في مناكبها، كما فعل سيدي الذي سار في مناكب الأرض دون أن يكون ملما بلغة الأقوام الذين كان يتعامل معهم ولكنه بفضل المعاملة النابعه من الإسلام وبفضل تمسكه بأعرافنا صار عنوانا للصدق والوفاء ونبذ التواكل والتمني دون العمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى