رحلة الشاب السعودي نحو الإحسان: “كيف تصنع التقوى والصبر في عصر التحديات”.

سعيد محمد بن زقر

ورد في الاية الكريمة ١١١ من سورة يوسف “لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب” بأن المقصود قصص الأنبياء والرسل – مثل قصة يوسف عليه السلام – وفيها عظة وتذكرة لمن لديهم عقول نيرة وهم “أولو الألباب”. وان هذه القصص ليست اختلاقًا أو كذبًا، بل هي تصديق للكتب السماوية السابقة وتبيان لكل شيء يحتاج إليه الناس من أحكام دينية، وهي هدى ورحمة لمن يؤمن بها.
وفي عالم تتسارع فيه أنفاس التحول، وتتعدد دروب الابتلاء، تأتي اية كريمة اخرى من سورة يوسف لتضع أمامنا منارة هداية لا تخطئ الطريق: “إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ”. وإذ نتأمل هذه الكلمات النورانية التي خرجت من فم يوسف عليه السلام بعد محن طويلة، نجد أنفسنا أمام فلسفة إسلامية عميقة تمس جوهر الوجود الإنساني وتقدم حلولاً جذرية لما يعتري الشباب ومنهم السعودي من تحديات وأزمات.
تنظر هذه الآية بمنظار فلسفي إسلامي، على طريقة الإمام الغزالي في تحليل مسائل النفس والسلوك، لتكشف لنا أن التقوى والصبر ليسا مجرد فضيلتين أخلاقيتين، بل هما منهج حياة متكامل يقوم على فهم عميق لطبيعة الابتلاء الإنساني ومعنى التكليف الإلهي.

التقوى: استشعار الرقابة الإلهية في زمن اللامعايير اذ حين ننظر إلى التحديات التي تواجه شبابنا السعودي اليوم، نجد أن أزمة الهوية تقف في المقدمة. فالشاب اليوم يعيش في عالم تتضارب فيه القيم، وتتنوع فيه مصادر التأثير، من وسائل التواصل الاجتماعي إلى ضغوطات سوق العمل ومتطلبات الحياة العصرية. وفي هذا المشهد المعقد، تبرز التقوى كـبوصلة روحية تعيد للشاب اتزانه الداخلي. والتقوى، كما يفسرها علماؤنا، هي “أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله”. وهذا التعريف يحمل في طياته فلسفة شاملة للحياة، فالتقوى ليست مجرد امتناع عن المحرمات، بل هي استشعار مستمر للرقابة الإلهية يجعل الإنسان يعيش حياته بوعي كامل لمسؤولياته وأهدافه العليا. وحيث أن الشباب السعودي ضمن مستهدفات ضوء رؤية 2030،فان التحدي الأكبر ليس في نقص الفرص، فالمملكة تشهد تحولاً اقتصادياً هائلاً يفتح آفاقاً واسعة أمام الشباب، بل التحدي في غياب المنظور الروحي الذي يعطي لهذه الفرص معنى أعمق وهدفاً أسمى. فالتقوى تحول العمل من مجرد وسيلة لكسب العيش إلى عبادة وخدمة للمجتمع، وتحول السعي للنجاح من مطلب أناني إلى مسؤولية اجتماعية.

•الصبر: فلسفة المقاومة الإيجابية
أما الصبر فهو الوجه الآخر للتقوى، وهو ما عبر عنه الإمام الغزالي بقوله أن الصبر “عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى”. وهذا التعريف يكشف عن طبيعة الصراع الداخلي الذي يعيشه كل إنسان، وخاصة الشباب في مرحلة البحث عن الذات وتحديد الاتجاهات. وشبابنا اليوم يواجه ضغوطاً متعددة المصادر: كضغط البطالة والبحث عن العمل، وضغط المقارنات الاجتماعية عبر وسائل التواصل، وضغط التحولات السريعة في المجتمع. ولمواجهة هذه الضغوط، يأتي الصبر ليقدم استراتيجية فلسفية للتعامل مع التحديات بدلاً من الهروب منها أو الاستسلام لها. والصبر، كما يقدمه القرآن الكريم، ليس صبراً سلبياً يكتفي بالتحمل، بل هو صبر فاعل يحول المحن إلى فرص للنمو والتطور. وهذا ما نحتاجه بالضبط لمواجهة تحديات عصرنا: لا أن نستسلم للبطالة بل نصبر على التعلم والتطوير، لا أن نيأس من التغيير بل نصبر على العمل للإصلاح، لا أن نهرب من المسؤوليات بل نصبر على حملها بكل ما تتطلبه من تضحيات.

  • وهذا ما يقود لفهم فلسفة الابتلاء: عبر ادراك عميق لطبيعة التحديات. فمن خلال منظور الفلسفة الإسلامية، يمكننا أن نفهم أن ما يواجهه الشباب السعودي اليوم من تحديات ليس انحرافاً عن المسار الطبيعي للحياة، بل هو جزء أصيل من فلسفة الابتلاء التي تحكم الوجود الإنساني. فالله سبحانه وتعالى يقول: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ”.
    على أن هذا الفهم يغير موقفنا النفسي من التحديات تماماً. فبدلاً من النظر إليها كـعوائق محبطة، نراها كـفرص للنمو الروحي والشخصي. وبدلاً من البحث عن حلول سطحية وسريعة، نسعى لتطوير قدراتنا الداخلية على المواجهة والتحمل والإبداع في إيجاد الحلول. ولهذا نجد شاب سعودي يواجه البطالة، ولكنه مسلح بفهم فلسفي لطبيعة الابتلاء، ولهذا لن يقف عاجزاً أو يائساً. بل سيرى في هذا التحدي فرصة لإعادة اكتشاف قدراته، وتطوير مهارات جديدة، والبحث عن مسارات إبداعية لم يكن ليفكر فيها لولا هذا الضغط. وهذا بالضبط ما نراه يحدث في أرض الواقع مع انطلاق المبادرات الريادية الشبابية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشهد نمواً متزايداً.
    منهج الغزالي في تزكية النفس: علاج جذري للأزمات المعاصرة:
    الإمام الغزالي، ذلك العملاق الفكري الذي جمع بين العلم والعمل، بين الفلسفة والروحانية، قدم لنا منهجاً متكاملاً في تزكية النفس يمكن أن يكون علاجاً جذرياً لكثير من الأزمات التي يعاني منها شبابنا اليوم. ويقوم منهج الغزالي على فهم طبيعة النفس الإنسانية ودوافعها المختلفة، ثم وضع برنامج عملي لتهذيبها وتوجيهها نحو الخير. وهذا المنهج يبدأ بـالمعرفة (معرفة الله، ومعرفة النفس، ومعرفة الطريق)، ثم ينتقل إلى الحال (الحالة الروحية والنفسية)، وينتهي بـالعمل (السلوك الظاهري والباطني). واذا تم
    تطبيق هذا المنهج على واقع الشباب السعودي فانه يعني أن نبدأ بـالتعليم الحقيقي الذي يجمع بين المعرفة التخصصية والمعرفة الروحية. فالشاب المسلح بمعرفة تقنية عالية ولكنه يفتقر للبوصلة الأخلاقية والروحية، سيجد نفسه في نهاية المطاف تائهاً رغم كل ما حققه من نجاحات ظاهرية. ثم ننتقل إلى مرحلة تنمية الحالة الإيمانية من خلال العبادة والذكر والتأمل، وهذا ما يعطي للشاب القوة الداخلية والطمأنينة النفسية لمواجهة تحديات الحياة.لنصل إلى مرحلة العمل الصالح الذي يحول كل هذه المعرفة والحالة الروحية إلى خدمة للمجتمع والوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى