‎دروس نرويجية في الاستثمار المسؤول: نحو نموذج سعودي للمعايير الأخلاقية

‎أعلن صندوق الثروة السيادي النرويجي، الأكبر عالمياً بأصول تتجاوز 1.9 تريليون دولار، قراره بسحب استثماراته من شركة كاتربيلر الأمريكية وخمسة بنوك إسرائيلية، لأسباب تتعلق بانتهاكات القانون الإنساني الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذا القرار، الذي اتخذته النرويج بناءً على توصيات مجلس الأخلاقيات المستقل التابع للصندوق، يطرح أسئلة مهمة أمام متخذي القرار السعوديين حول ضرورة تطوير إطار عمل أخلاقي شامل لاستثمارات المملكة الخارجية.

‎النموذج النرويجي: الشفافية والمعايير الأخلاقية كركائز أساسية

‎يخضع الصندوق النرويجي لـاشتراطات أخلاقية صارمة وضعها البرلمان النرويجي، حيث يمتلك مجلس الأخلاقيات سلطة تقديم التوصيات لمجلس إدارة البنك المركزي الذي يقرر بشأن الاستثمارات. تتركز هذه المعايير على تجنب الشركات المتورطة في “انتهاكات جسيمة لحقوق الأفراد في حالات الحرب والنزاع”، والشركات العاملة في قطاعات تُعتبر ضارة بالبيئة أو المجتمع.
‎هذا النهج المؤسسي في الرقابة الأخلاقية لا يقتصر على القرارات الاستثمارية فحسب، بل يمتد ليشمل الشفافية الكاملة في الإفصاح عن المعايير والقرارات، مما جعل الصندوق النرويجي يتصدر مؤشر لينابورج مادويل للشفافية بكامل النقاط العشر.

‎الفرصة السعودية: تعزيز المكانة العالمية عبر الاستثمار المسؤول

‎صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يحتل المرتبة السادسة عالمياً بأصول تبلغ 925 مليار دولار ويستهدف الوصول إلى تريليوني دولار بحلول 2030، يقف اليوم أمام فرصة استراتيجية لترسيخ مكانته كنموذج رائد في الاستثمار المسؤول على المستوى الإقليمي والعالمي.
‎المملكة، التي تقود رؤية 2030 الطموحة للتنويع الاقتصادي والاستدامة، تمتلك المقومات اللازمة لتطوير نموذج استثماري يجمع بين المبادئ الإسلامية ومعايير الاستدامة العالمية (ESG). فالتمويل الإسلامي، الذي يتجنب بطبيعته الاستثمارات الضارة والممارسات المحرمة، يتماشى بقوة مع مبادئ الاستثمار المسؤول التي تركز على العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة.

‎التوصيات الاستراتيجية لصنّاع القرار السعوديين

‎أولاً: إنشاء مجلس أخلاقيات مستقل لصندوق الاستثمارات العامة، يضم خبراء في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي والاستدامة، لوضع معايير واضحة للاستثمارات الخارجية وضمان توافقها مع القيم الإسلامية والمعايير الأخلاقية العالمية.

‎ثانياً: تطوير إطار عمل شامل للاستثمار المسؤول يدمج مبادئ الشريعة الإسلامية مع معايير ESG العالمية، مما يميز المملكة كرائدة في مجال الاستثمار الأخلاقي المتوافق مع التراث الإسلامي والمعايير الدولية المعاصرة.

‎ثالثاً: تعزيز الشفافية والإفصاح من خلال نشر تقارير دورية تفصيلية حول المعايير الأخلاقية المطبقة في الاستثمارات، والشركات المستبعدة أو المراقبة، والأثر الإيجابي للاستثمارات على التنمية المستدامة. وقد أظهر صندوق الاستثمارات العامة تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث حصل على المرتبة الثانية عالمياً ضمن تصنيف الحوكمة والاستدامة والمرونة بنسبة التزام بلغت 96%.

‎رابعاً: إنشاء صناديق استثمار متخصصة في القطاعات المتوافقة مع أهداف التنمية المستدامة، مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة والابتكار الاجتماعي، بما يعكس التزام المملكة بأهداف السعودية الخضراء ومبادرة الحياد الصفري.

‎استثمار في المستقبل والقيم

‎القرار النرويجي ليس مجرد موقف سياسي، بل انعكاس لنضج مؤسسي في إدارة الثروة السيادية وفق معايير أخلاقية واضحة. المملكة العربية السعودية، بثقلها الاقتصادي المتنامي ومكانتها في العالم الإسلامي، لديها الفرصة والمسؤولية لريادة نموذج جديد في الاستثمار المسؤول يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

‎هذا التوجه لن يعزز فقط من السمعة الدولية للمملكة كمستثمر مسؤول، بل سيخدم أيضاً الأهداف طويلة المدى لتنويع الاقتصاد وبناء شراكات استراتيجية مع الدول والمؤسسات التي تتبنى نفس القيم والمبادئ، مما يساهم في تحقيق رؤية المملكة 2030 بشكل مستدام ومتوازن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى