وقفات مع الاستدراكات
وردت استدراكات مهمة وذات فائدة على مقالتي عن منهج الامام البخاري كما ورد في صحيحه وشروحه وشروح محققي الكتاب. وهناك استدراكات حول ما إذا كان صحيح البخاري قد جمع كل الاحاديث الصحيحة.
واسارع بتقديم الشكر إلى سعادة الدكتور محمد فراج الذي أسهم فى العصف الذهني وفي الاستدراك على الاستدراكات والنصح بالمراجع العلمية ومن اهمها كتاب الشيخ محمد الامين الشنقيطي دفع إيهام الاضطراب عن ايات الكتاب.
وفي الحقيقة نحن طلاب علم وكل يتعلم من غيره كما قال الامام الغزالي. ويصح الاستنتاج بأنه لم يكن هدف الإمام البخاري من تاليف صحيحه جمع كل الأحاديث الصحيحة فيه – بل كان هدفه منذ البداية انتقاء جملة من الأحاديث الصحيحة التي أجمع عليها المحدثون في فروع الدين المختلفة؛ وكان هدفه تقريب السنة المطهرة من الأمة، وجمعها في كتاب مختصر صحيح.
وبهذا يمكن القول بانتقاء أحاديث البخاري من أجود الأسانيد والطرق الموجودة في عصره التي قاربت 600 ألف سند أو حديث بمصطلح علماء عصره.
وفي هذا السياق يورد الامام الذهبي: “وقال خلف الخيام: سمعت إبراهيم بن معقل، سمعت أبا عبد الله يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال بعض أصحابنا: لو جمعتم كتاباً مختصراً لسنن النبي – صلى الله عليه وسلم – فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب” . بكلمات أخرى تولد غرض الامام البخاري رحمه الله من جلسة مع شيخه اسحاق بن راهويه وظل ذلك دافعاً له على جمع صحيح البخاري وبأن يكون مختصراً لسنن النبي – صلّ الله عليه وسلم. وقد وفقه الله في أن يجمع أبواب الإسلام، ويصنفها إلى مباحث علمية ويدرج تحت كل باب من الأحاديث ما يكفيه، على أن تكون هذه الأحاديث صحيحة.
ولذلك من يطالع صحيح البخاري سيجده غطى بالأحاديث الصحيحة المنتقاة أبواب الإسلام عقيدة، وشريعة، وآداب، وفضائل، وتفسير. وكان هدفه من ذلك تقريب السنة المشرفة من الامة واجلاء الاضطراب في الفهم ودفع الإيهام في معاني القرآن والاحاديث النبوية الشريفة.
ومن الامثلة التقريبية للفقه في الدين وسؤال أهل الذكر في الاحاديث وحتى في الآيات المشكلة ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: ( سَافَرَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، فَقالَ: صَحِبْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَلَمْ أرَهُ يُسَبِّحُ في السَّفَرِ، وقالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: (لقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسولِ اللَّهِ إسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21] .
الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : البخاري). فهل هذا يتعارض مع الحديث التالي:
عن جابرٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا إِذا صعِدْنَا كَبَّرْنَا، وإِذا نَزَلْنَا سبَّحْنا. رواه البخاري.
ان الفهم الصحيح لهذا التشابه يقود إلى اليُسرُ ورفْعُ الحرَجِ مِن مَعالِمِ دِينِ الإسلامِ الحَنيفِ، وكُلَّما زادَتِ المَشقَّةُ ازدادَ التَّيسيرُ ورفْعُ الحرَجِ؛ ولذا شرَعَ اللهُ عزَّ وجلَّ رُخصةَ قصْرِ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ في السَّفرِ، وتَرَكَ النبيُّ صلَّ اللهُ عليه وسلَّمَ السُّننَ الرَّواتبَ في السَّفرِ تَأكيدًا على هذا التَّيسيرِ. ومن هنا اتساق معنى لا يسبّح في السفر. مما يعني أنّ عدم الرجوع لسنة النبي العدنان وأهل الذكر يؤدي الى عدم الفهم الصحيح. وأحيانا يقود إلى التشدد بدون داعي. وهذا يوضح أهمية وحتمية علوم الاصول. ويندرج هذا الفهم في ما جاء في القرآن الكريم.
وللتوضيح نطرح سؤالاً : ماذا قال الصحابة عندما نزلت الآية الكريمة: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ). وماذا كان رد النبي صلى الله عليه وسلم لهم؟
يقول المفسرون عندما نزلت الاية(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله! فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: «إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ؟ إنما هو الشرك».
وللشيخ محمد الامين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي مؤلف مفيد ومتفرد في هذا المعنى. اسمه “دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب”.
وفيه يوضح المؤلف كيف يتم التعامل مع التعارض بين آيات القرآن الكريم وبينها والسنة الصحيحة وذلك من خلال دراسة عميقة تُظهر دلالة النص بما يدفع الإيهام والاضطراب بأن الاختلافات الظاهريّة المحتملة ليست تعارضات إذا فهمنا النصوص القرآنية ولدينا دراية بعلم الأصول والتفسير والفقه الإسلامي.
