نوبل والسلام الحقيقي

سعيد محمد بن زقر

في صباح جدة المعتاد، التقيت بزميلة من أصول فنزويلية ، ذلك البلد الثري بثرواته. ولكن حسب وجهة نظرها ان الظروف أجبرتها على ترك وطنها مع زوجها للهجرة إلى الخارج. انصب حديثنا عن جائزة نوبل للسلام لعام 2025 التي مُنحت لمواطنتها ماريا كورينا ماتشادو، المعارِضة الفنزويلية التي قالت لجنة التحكيم إنها مثلت رمزًا للشجاعة والإصلاح في بلادها. اختارت لجنة نوبل ماتشادو تقديرًا لقيادتها جهودًا سلمية للخروج بفنزويلا من دوامة الفساد وانهيار مؤسسات الدولة نحو أمل جديد.
في المنطقة العربية لدينا تقدير كبير لامريكا الجنوبية لتأييدها لحقوق الشعب العربي الفلسطيني ومساندة حوار الجنوب والقضايا ذات الصلة بالعالم الثالث.
مع ذلك فان دولة فنزويلا تعيش أزمة إنسانية غير مسبوقة، حيث تجاوز عدد المهاجرين واللاجئين الفنزويليين 6 ملايين شخص بنهاية 2025، أي قرابة 20% من مجموع السكان. هذه الهجرة الجماعية حسب التقارير نتجت عن الفساد وعدم الاستقرار ؛ ولهذا احتلت فنزويلا المرتبة الثالثة بين أكثر دول العالم فسادًا لعام 2025 وحصلت فقط على 10 نقاط من أصل 100 في مؤشر الشفافية الدولية، أي أنها ضمن الدول الأكثر معاناة من غياب الرقابة والأمان. ففقدان الأمن هو فقدان للحياة نفسها.
في أثناء حديثي مع الزميلة الفنزويلية، وصفت لي الواقع قائلة إن حكومة بلادها ليس سوى “كارتل” أو عصابات تتحكم في مفاصل الدولة، لذلك فهي لا ترى أن أي تغيير حكومي شكلي سيحقق الفرق المنشود. فقد اقتنع كثير من الفنزويليين أن الأزمة تتجاوز الأشخاص والسياسات إلى بنية السلطة ذاتها، حيث تدار البلاد بعقلية مافيا وليس بمنظومة مؤسسات أو دولة قانون. هذا العمق الاجتماعي للأزمة يفسر كم فقد كثيرون الأمل في أي حل سريع أو إصلاح سطحي.
واحترم وجهة نظرها وان كان هناك اسباب اخرى مؤكدة منها العقوبات الاقتصادية على تصدير النفط الفنزويلي. وعلى أي حال للفائزة بجائزة نوبل وجهة نظر اذ ترى ماريا كورينا ماتشادو أن الخصخصة وإصلاح الاقتصاد الليبرالي هما طوق نجاة، خصوصًا في قطاع النفط والشركات الحكومية. تجارب بعض الدول مثل الكويت والأرجنتين والمكسيك أظهرت أن الخصخصة إذا تمت ضمن آليات رقابة واضحة تساهم في رفع كفاءة الإدارة وجذب الاستثمار وتقليل العبء على الدولة وتوفير فرص العمل. ومع ذلك، يؤكد اقتصاديون أن الخصخصة دون ضوابط قد تؤدي لظهور نخبة مسيطرة جديدة ما لم تتوافر مؤسسات رقابية وعدالة اجتماعية.

في السعودية ، يكرر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز دعوته بالامتنان على نعمة الأمن والأمان، مؤكدًا أن الاستقرار والرخاء في المملكة هي ثمرة تمسك القيادة بشرع الله ورسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فكل جوائز الدنيا لا تعادل الأمن الحقيقي الذي تنعم به المملكة، وسط إقليم يموج بالأزمات.

إذا، إن السلام الرمزي الذي تعكسه جائزة نوبل لا يغني عن الأمن الواقعي الذي تفتقده شعوب كثيرة. الأمن والاستقرار في الوطن هو المعنى العميق للسلام، ومن ينعم بقيادة جمعت بين الحكمة والعدل والدين يملك أعظم الجائزة. فصباح الأمن في مملكتنا الحبيبه، هو الفرق الكبير بين من يملك نعمة الأمن وبين من يفتقدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى