نهاية التشديد… وبداية التوسّع المُدار: ما الذي يفعله الفيدرالي حقًا؟
بقلم سعيد محمد عبيد بن زقر – 8 ديسمبر 2025
يروي المؤرخ عبد العزيز الدوري في كتابه «الخراج وصناعة المال في الدولة العباسية» أن الخليفة المأمون بدأ إصلاحه المالي بخطوة هادئة: إعادة تنظيم سجلات ديوان الخراج لكشف الاختلالات الصغيرة التي تُضعف بنى الدولة على المدى الطويل. لم يعتمد على قرارات صاخبة، بل على ضبط التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد. هذا المنطق ذاته يظهر اليوم في طريقة تحرك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وإن اختلف الزمن والأدوات.
فبعد ثلاث سنوات من التشديد الكمي وسحب أكثر من 2.4 تريليون دولار من النظام المالي، أوقف الفيدرالي عملية الانكماش. لكن التحوّل الأهم يحدث في طريقة إعادة استثمار التدفقات الناتجة عن الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، إذ تُحوَّل الآن نحو سندات خزانة قصيرة الأجل. هذه الخطوة تعيد تشكيل بنية السيولة الأميركية عبر ثلاثة مسارات: تقصير مدد الأصول، تخفيف ضغوط التمويل القصير الأجل، وتعزيز الاحتياطيات التي تراجعت إلى نحو 3 تريليونات دولار—وهي مستويات تذكّر بما سبق اضطرابات 2019.
وتشير التقديرات إلى أن الفيدرالي قد يشتري شهريًا ما بين 20 و40 مليار دولار من السندات القصيرة اعتبارًا من مطلع 2026. هذا ليس تيسيرًا كمّيًا، ولا استمرارًا للتشديد، بل ما يمكن وصفه بـ “التوسّع المُدار”: سياسة تقوم على ضخ سيولة محدودة ومدروسة تهدف إلى منع الاختناق في التمويل دون إثارة موجة أسعار أصول جديدة. إنها مرحلة فنية دقيقة تحتاج إلى إشارات محسوبة أكثر مما تحتاج إلى بيانات صاخبة.
وفي السياق السعودي، يحمل هذا التحوّل دلالة واضحة للمستثمر المحلي. فمع انحسار ضغوط السيولة العالمية وتراجع تدريجي في تكلفة التمويل، تنفتح نافذة مبكرة للقطاعات الأكثر ارتباطًا بالدورة النقدية. البنوك ستكون من أبرز المستفيدين بفضل تحسّن ظروف التمويل، تليها العقار والتطوير بحساسيتهما المباشرة للفائدة، ثم اللوجستيات والتجزئة، إضافة إلى الشركات الصناعية ذات الاستثمارات الرأسمالية الكبيرة، والقطاعات التقنية التي يتسارع نموّها مع كل دورة نقدية ميسّرة. وبفضل أدوات السياسة النقدية لدى ساما، ينتقل أثر التحوّل الأميركي إلى المملكة بدرجة محسوبة، تمنح السوق السعودي استقرارًا يسمح بالاستفادة دون التعرّض لضخ سيولة مفرطة أو تدفقات ساخنة.
ولهذا يبدو أن الفيدرالي يعود إلى نهج شبيه بما فعله المأمون: خطوات صغيرة تحمي الهيكل قبل أن يتداعى. فالمرحلة الجديدة لا تُعرّف بالفائدة وحدها، بل بقدرة البنك المركزي على إدارة توازنات حساسة في عالم تتحرك فيه الأسواق أسرع من أدوات السياسة النقدية.
وفي العاشر من ديسمبر، عندما تصدر الملاحظات التنفيذية، قد يتحدد شكل هذه المرحلة بدقة أكبر. فكما في بغداد قبل قرون، قد يكون مستقبل السياسة المالية الأميركية مرسومًا في ما يجري بعيدًا عن العناوين، لا في العناوين ذاتها.
