نصيحة تكتب بنور البصر
استوقفتني كلمات الشيخ الدكتور سعيد محمد الكملي وهو يتحدث على اليوتوب عن حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، حين قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دُلَّني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: “ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس”. وكأن هذه الكلمات نورٌ يضيء طريق الحائرين في زماننا، وهو مفيد لمسيرة شبابنا في المملكة.
الزهد في زمن الوفرة
إن الزهد ليس ترك الدنيا بالكلية والانقطاع في الصحاري، بل هو أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك. ولهذا فإن النصيحة التي نهديها لشبابنا أن انظروا حولكم، وانتم تعيشون في زمن التحول والرؤية 2030، انه زمن الفرص الذهبية والمشاريع الضخمة. وان الزهد في هذا السياق أن تعمل وتجتهد وتبني، ولكن لا كلما تقدمت في سلم النجاح لا تجعل قلبك معلقاً بالمنصب أو الراتب أو السيارة الفارهة. بل اجعل همّك رضا الله، واجعل عملك عبادة.
فقد كان الإمام الغزالي يقول: “الزهد ليس أن تحرم الحلال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك”. وفي هذا درسٌ عميق لشبابنا، فاستخدم نعم الله ولا تكن عبداً لها. واركب أحدث السيارات إن قدرت، ولكن لا تجعلها مقياس قيمتك. واسكن في أجمل البيوت، ولكن اعلم أن البيت الحقيقي هو الجنة.
الزهد فيما في أيدي الناس
أما الشطر الثاني من الحديث، فهو الزهد فيما ايدي الناس لانه دواء لداء عصرنا – ففي زماننا انتشر داء المقارنات على وسائل التواصل الاجتماعي. فكم من شاب يحترق قلبه حسداً وهو يرى منشورات أقرانه على انستغرام وسناب شات! ويرى سفراتهم وسياراتهم ووظائفهم، فيتحول قلبه إلى جحيم من الحسد والغيرة. فالزهد فيما في أيدي الناس يعني أن تفرح بما قسمه الله لك، وأن تدعو لأخيك بالبركة إذا رأيت نعمته. ولا تمد عينك إلى ما متّع الله به غيرك، ولا تطلب من الناس ما يمكنك الاستغناء عنه. كن عزيز النفس، قنوعاً بما رزقك الله، فالقناعة كنزٌ لا يفنى.
التطبيق العملي في حياتنا
والزهد في مجالات الاستثمار يعني أن تستثمر في نماذج النجاح مثل نيوم ولكن لا تنسى الآخرة. وأن تطور مهاراتك في الذكاء الاصطناعي ولكن لا تهمل ذكر الله. وأن تسعى للترقية في عملك ولكن لا تظلم أحداً في سبيلها. وأن تشتري أحدث الأجهزة ولكن تتصدق على المحتاجين. فالزهد أن تقول “الحمد لله” عند النعمة و”لا حول ولا قوة إلا بالله” عند المصيبة. وأن تعيش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، تأخذ منها ما يوصلك إلى الله، وتترك ما يبعدك عنه.
إذا، إن الزهد الحقيقي يحررك من عبودية المادة ويجعلك سيداً حراً. وحين تزهد فيما في أيدي الناس، تكسب محبتهم واحترامهم، لأنك لا تنافسهم على دنياهم. وحين تزهد في الدنيا، يملأ الله قلبك بمحبته ونوره، فتصبح من أغنى الناس وإن لم تملك شيئاً. فيا شبابنا، كونوا زاهدين في زمن الوفرة، وكونوا عابدين في زمن الغفلة، فإن الزهد الحقيقي قوة، والقناعة الصادقة عزة. وقديما قيل اقنع بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.
