من خطر الميكروبلاستيك… إلى فرصة سعودية لقيادة صناعة عالمية جديدة

سعيد محمد عبيد بن زقر — 2 ديسمبر 2025

كشفت دراسة حديثة في Nature Medicine عن وجود جسيمات الميكروبلاستيك والنانوبلاستيك داخل أنسجة الدماغ البشري، بمتوسط قدره نحو 100 ناومتر، ما يمكّنها من اختراق الحاجز الدماغي الدموي والأنسجة. هذه النتائج تربط بوضوح بين مخاطر السمية العصبية والقلبية، وارتفاع احتمالات الالتهابات المزمنة، وتشير إلى خطر صحي قُدِّم كثيراً، لكنه يفتح باباً لتحول اقتصادي وصناعي عالمي يمسّ الدول والمجتمعات كافة.

وتُظهر تقديرات The Lancet أن التكاليف الصحية العالمية لللدائن البلاستيكية قد تتجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً. وفي الولايات المتحدة وحدها، قد تصل “التكلفة الاجتماعية للبلاستيك” إلى نحو 436 مليار دولار و1.2 تريليون دولار سنوياً. وعلى مستوى منطقتنا، تشير البيانات الدولية إلى أن التلوث البحري في الخليج العربي يتجه إلى أن يشكّل 0.87% من مجموع التلوث البحري العالمي، وهو رقم ضخم لدولة مثل السعودية — مما يضع المنطقة أمام مسؤولية مباشرة لمراجعة الاستخدام المفرط للمواد البلاستيكية منخفضة الجودة وتلوثها الكيميائي.

غير أن هذا الخطر لا يخصّ الميكروبلاستيك وحده، بل يكشف اتجاهاً أوضح: فكمية البلاستيك عالميّاً ترتفع عاماً بعد عام وتتجاوز حدود الصحة والاقتصاد والبيئة.
لكن هذا الخطر، إذا استُوعب مبكراً، يمكن أن يتحول إلى فرصة سعودية رائدة لبناء قطاع صناعي ضخم يتسق مع “صفر نفايات بلاستيكية” بحلول 2030، وبناء صناعات متقدمة محلية تنتقل بالسعودية من الاستهلاك إلى الابتكار.

وتقدّر منظمات دولية أن قطاع المواد الخالية من البلاستيك (Plastic-Free) سينمو سنوياً بما يتجاوز 12%، وصولاً إلى سوق عالمي قد يبلغ 300 مليار دولار خلال سنوات قليلة.
وهنا تكمن فرصة سعودية استثنائية: المملكة — ببيئتها الاستثمارية وقدرتها الصناعية — ليست بحاجة للاعتماد على شركات أجنبية في إنتاج بدائل البلاستيك، بل تمتلك السعودية اليوم ميزة تنافسية أهمها جودة المواد الخام، وسوق محلي ضخم، ورغبة سياسية واضحة في تنويع الصناعات وجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة.

ولا يتوقف الأمر على الملكية الصناعية؛ فالسعودية تستطيع الدخول مبكراً عبر شراكات لإنتاج عبوات كرتونية بلا بلاستيك باستخدام مواد جاهزة نباتية تطورها شركات مثل Tetra Pak وSIG Combibloc، بما يتسق مع نهج الاقتصاد الدائري ورؤية “السعودية الخضراء”. كما يمكن للشركات المحلية بناء خطوط إنتاج ذكية لإعادة تدوير نفايات التغليف منخفضة الجودة، ورفع جودة المنتج وتقليل الانبعاثات.

ولتحويل هذه الفرص إلى قطاع اقتصادي فعّال، نحتاج إلى قرارات سيادية واضحة، تشمل:
برنامج وطني لبدائل البلاستيك، تحفيز المصانع على إنتاج مواد سعودية بلا بلاستيك، وخططاً متخصصة للابتكار في الغذاء والدواء، وربط هذه القطاعات بسلاسل التصدير غير النفطية.

فالعالم يتجه نحو ما بعد البلاستيك. والدول التي تتحرك الآن هي من ستقود المرحلة المقبلة. والسؤال: هل نكتفي بردّة الفعل؟ أم نصنع تحولاً سعودياً قادراً؟

والإجابة، إذا اتخذ القرار الآن، واضحة: السعودية قادرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى