من تقليص الإنفاق إلى تعظيم الأثر: قراءة علمية في علاقة المضاعف الاقتصادي بالناتج القومي السعودي
٣ نوفمبر ٢٠٢٥ – سعيد محمد عبيد بن زقر
في خضم الجدل حول تصريح معالي وزير الاستثمار بضرورة تقليص الإنفاق الحكومي وصرف صندوق الاستثمارات العامة لإفساح المجال أمام القطاع الخاص، انقسمت الآراء بين من يرى في ذلك خطوة نحو الانضباط المالي، ومن يحذر من انكماش اقتصادي يضر بالنشاط المحلي.
لكن التحليل الاقتصادي الكلي، المبني على نماذج الدخل–الإنفاق والمضاعف الاقتصادي (Economic Multiplier)، يقدم رؤية أعمق تميز بين خفض الإنفاق المالي وخفض الناتج القومي الفعلي (GNP).
🔹 أولًا: الفرق بين GDP وGNP
• الناتج المحلي الإجمالي (GDP) يقيس قيمة السلع والخدمات المنتجة داخل حدود المملكة بغض النظر عن جنسية من أنتجها.
• الناتج القومي الإجمالي (GNP) يقيس الدخل الذي تحققه الجهات السعودية داخل المملكة وخارجها مطروحًا منه دخل الأجانب داخلها.
في الحالة السعودية، GDP أكبر من GNP لأن نحو ٨٠٪ من العاملين في القطاعات العمالية هم من غير السعوديين، ما يؤدي إلى تحويلات خارجية تتجاوز ١٤٠ مليار ريال سنويًا. أي أن جزءًا من الناتج المحلي لا يتحول إلى دخل وطني صافٍ.
🔹 ثانيًا: الأثر العلمي لتقليص الصرف الحكومي
وفق نموذج الدخل–الإنفاق:
Y = C + I + G + (X – M)
فإن خفض الإنفاق الحكومي (ΔG < 0) يؤدي إلى انخفاض في الناتج (ΔY < 0)، ويتضاعف الأثر بحسب المضاعف الاقتصادي (m):
ΔY = m × ΔG
وفي السعودية، يتراوح المضاعف القطاعي بين 1.6 في البناء و1.9 في النقل واللوجستيات.
أي أن تقليص الإنفاق بـ100 مليار ريال قد يخفض الناتج المحلي بما بين 160 و190 مليار ريال قبل أن يتوازن الاقتصاد.
ومع أن جزءًا من هذا الانكماش ينعكس بتراجع التحويلات الخارجية (ما يخفف أثره على GNP)، إلا أن الأثر الصافي يبقى سلبيًا ما لم يُعوض بزيادة في الاستثمار أو التصدير.
🔹 ثالثًا: القيود الواقعية في سوق العمل
القطاعات العمالية (Labour-Intensive) تواجه قيودًا هيكلية:
• العمالة السعودية تتركز في المدن الرئيسية، بينما المشاريع تمتد في المناطق الطرفية.
• الحكومة منافس توظيف بأجور تفوق القطاع الخاص بـ30-40٪.
• متوسط دخل السعودي (حوالي ٧٥٠٠ ريال) أدنى من تكلفة المعيشة (٩٠٠٠ ريال).
وبالتالي، لا يمكن إحلال العمالة الوطنية محل الوافدة ببساطة دون رفع الإنتاجية وهيكل الأجور.
🔹 رابعًا: كيف يُنفّذ الإصلاح ومن يموله؟
التحليل لا يدعو إلى مزيد من الإنفاق، بل إلى تحسين كفاءته وتمويله المشترك عبر أدوات علمية:
1. صناديق المطابقة (Matching Funds): تشارك الدولة بنسبة 30٪ في المشاريع التي ترفع المحتوى المحلي أو تُدخل الأتمتة.
2. سندات العائد الإنتاجي (Outcome Bonds): تُسدد من الأرباح الاقتصادية الفعلية كزيادة التوظيف أو الناتج.
3. ميزانية مبنية على المضاعف (Multiplier-Based Budgeting): توجّه الصرف نحو القطاعات ذات الأثر الأكبر على GNP.
4. رفع المحتوى المحلي من 35٪ إلى 50٪ خلال 3 سنوات مما يرفع المضاعف الصافي بنحو 0.2-0.3 نقطة لكل زيادة 10٪ في القيمة المحلية.
🔹 خامسًا: لماذا هذا التحليل مهم؟
لأنه يحول الحوار من “كم نصرف؟” إلى “كيف نصرف؟”.
التحليل بالمضاعف الاقتصادي يربط السياسة المالية بالنتائج التنموية، ويمنع قرارات تقشفية تؤدي إلى خسائر اقتصادية أكبر من الوفر المالي.
فعندما يُعاد توجيه كل ريال نحو نشاط يولد 1.8 إلى 2 ريال في الناتج المحلي وقيمًا مضافة سعودية أعلى، يتحول التقليص من خطر إلى إصلاح ذكي يرفع الناتج القومي ويقلل التسرب الخارجي.
🔹 الخلاصة
تقليص الإنفاق دون بديل استثماري نوعي يُضعف النمو، لكن إعادة هيكلة الصرف وفق المضاعف الاقتصادي ترفع كفاءة كل ريال وتحوّله من إنفاق إلى استثمار.
فبهذا الفهم العلمي، يتحول شعار “خفض الصرف” إلى تعظيم الأثر الوطني لكل ريال سعودي، فيرتفع GNP الحقيقي رغم تقليص الإنفاق الاسمي.
سعيد محمد عبيد بن زقر
