من الزنبورية إلى حوكمة الشركات العائلية

سعيد محمد بن زقر

في مجلس علمي من مجالس الدكتور محمد سعيد الكملي يورد المناظرة الشهيرة بين النحويين الكبيرين سيبويه والكسائي، والقصة كما هو معروف تعود إلى عصر هارون الرشيد، الذي استدعى العالمان سيبويه (إمام مدرسة البصرة) والكسائي (إمام مدرسة الكوفة ومعلم أولاد الرشيد ونديمه)، إلى مناظرة نحوية في مجلس الخليفة، وحضرها كبار الوزراء والعلماء.
ومن المعروف أن الخلاف بين البصريين والكوفيين في منهجيين أساسيين: منهج البصريين يركز على السماع الموثوق والقياس المحدود واللغة العربية الفصيحة، ومنهج الكوفيين يتوسع في السماع ويسمح بقياسات أوسع قد تشمل لغة العامية، وتختلف المدرستان في مسائل نحوية وتصريفية محددة مثل عمل اسم المصدر، وطبيعة “ربّ” والتوكيد في “نِعْمَ وبئس”، والتعليل والقواعد النحوية بشكل عام. وفي سياق ذلك دار نقاش طرح فيه احد الكوفيين “خلف ” سؤالا نحوياً على سيبويه فاجابه وفي كل اجابة يقول له أخطأت. وبعد ثلاث مرات قال سيبويه ان هذا سوء ادب.كناية عن انه امام اهل البصرة في النحو فكيف يخطيء ثلاث مرات. وغضب سيبويه لهذا تقدم له “الفراء” وعلق بان في هذا الرجل أي خلف، حدة وعجلة. يعني انه سيسأله. فسال الفراء سيبويه ثلاث اسئلة وفي كل اجابة كان يقول له الأفضل تراجع ما تقول. صمت سيبويه. ولم يكن امام المجلس الا أن يقدم الكسائي. فقال لسيبويه اتسالني ام اسألك؟ قال له بل اسال. فقال الكسائي ماذا تقول في جملةٍ عربية وردت بصيغة:” كنت أظن أن العقرب أشد لسعًا من الزنبور، فإذا هو هي، أم فإذا هو إياها؟”
فأجابه سيبوية: الصواب “فإذا هو هي” لأن الضمير في محل رفع خبرًا للمبتدأ. فرد الكسائي: بل الصواب “فإذا هو إياها”، على وجه التشبيه. ورغم وجاهة قول سيبويه لغويًا، إلا أن المجلس حكم لصالح الكسائي، تأثرًا بمكانته عند الخليفة ونفوذه في البلاط. لكن هذا الحكم المتحيز جرح سيبويه عميقا فخرج مكسور الخاطر وغادر بغداد، وتوفي بعدها بقليل، فيما بقيت القصة تُروى كرمزٍ لتغليب التحيز على الكفاءة.
واصبحت المناظرة في النحو و التراث العربي تسمى بالمسألة “الزنبورية” . ويشرح الدكتور الكملي أن الزنبور يشبه النحل ولكنه يلسع الانسان دون أن يمنحه العسل. والقصة على كل حال تُعدّ من أبرز المناظرات التي تجسد سوء ادارة الاختلاف وخاصة حين يكون بين العلم والمحاباة. اذ تظهر القصة كيف يمكن أن ينحرف النقاش العلمي ويتغلب النفوذ على المنهج، وكيف يؤدي الاختلاف في وجهات النظر في ظل غياب الحوكمة والحياد إلى خسارة العقول المبدعة في العمل بعامة وﻓﻲ الشركات العائلية بخاصة. ولهذا يمكن توظيف القصة كنموذج رمزي يضيء فهمنا للخلافات داخل الشركات العائلية، حيث تتقاطع المكانة العائلية مع الاختصاص المهني في بيئة تحتاج إلى توازن دقيق بين العلم والخبرة والحوكمة. وتُبرز المسألة “الزنبورية” أن جوهر الخلاف لم يكن لغويًا فحسب، بل إداريًا وتحيزا واضحاً في مضمونه، إذ مثّلت القصة مواجهة بين منهجية علمية موضوعية (سيبويه) وسلطة تنفيذية نافذة (الكسائي)، تحت إشراف مجلس إدارة غير محايد (يمثله زملاء الكسائي وحاشية صديقه الوزير البرمكي). وهذا النموذج يتكرر كثيرًا وإن بصيغ مختلفة في ادارات الشركات العائلية، حين تتداخل سلطة القرار العائلية مع الرأي المهني المتخصص، فتتحول الخلافات المهنية إلى صراعات ادارية.

وهذا ما يجعل كاتب السطور يدعو باستمرار إلى تطبيق الحوكمة في الشركات العائلية. وخاصة في الفصل بين المعرفة والنفوذ. فالقصة تبين لنا أن تغليب النفوذ على المعرفة يؤدي إلى خسارة العقول المبدعة. وفي الشركات العائلية، عندما تختلف وجهات النظر ينبغي أن تتوفر قواعد واضحة للعبة كما يقولون، حتى تُبنى القرارات على الكفاءة والتحليل وقياس الأداء والانتاجية لا على صلة القرابة أو النفوذ العائلي. ومن جهة فان هناك حاجة إلى إبراز أهمية التحكيم المستقل عندما يحدث الخلاف. لانه لو كان في مجلس هارون الرشيد هيئة تحكيم علمية ومهنية مستقلة، لربما تم إنصاف سيبويه. ولما تم كسر خاطره وفقدته اللغة وهو في قمة عطائه وشبابه. وهكذا في الشركات العائلية، ينبغي السعي لتكوين مجالس استشارية مستقلة أو أعضاء غير تنفيذيين يضمنون حياد القرارات. ومن جهة حوكمة إدارة الخلاف فان القصة توضح أن المشكلة ليست في وجود الخلاف، بل في غياب آلية موضوعية لإدارته. ولذلك نجد الشركات العائلية الناجحة تُعالج ذلك الخلل بوضع سياسات حوكمة صارمة تنظم الحوار بين الأطراف وتمنع تضارب المصالح وتفصل بين العائلة والإدارة. والحوكمة بطبيعتها تضمن حماية الكفاءات وتشجع التنوع الفكري. ويصح الاستنتاج بأن خروج سيبويه من بغداد إلى بلاده يشبه مغادرة الكفاءات الشركات العائلية حين يُهمَّش رأيهم. فالشركات العائلية الناجحة تضمن لهم بيئة تشاركية تحافظ على التنوع الفكري بدل أن تهمشه. وتمثل “المسألة الزنبورية”مرآةً تاريخية لقضية التحكم في القرار دون حوكمة. وكما ضاعت عدالة اللغة حين غابت قواعد المنهج، تضيع عدالة الإدارة حين تُهمَّش مبادئ الحوكمة. ولهذا فإن التحدي امام الشركات العائلية السعودية وﻓﻲ المنطقة العربية لا يكمن في الخلاف بين الأجيال أو الخبرات، بل في إيجاد نظام مؤسسي عادل يجعل القرار ناتجًا عن المنهج والعقل، لا عن النفوذ والمكانة. فحين تُحكم القرارات بموازين الكفاءة لا القرابة، تتحول الخلافات من صدامات مدمرة إلى طاقة تطوير وبناء ونمو مستدام والعكس صحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى