معادلة تقليص الإنفاق وتعظيم الأثر: وعلاقة المضاعف الاقتصادي بالناتج القومي السعودي

سعيد محمد بن زقر

اطلعت على تحليلات وقراءات تناولت تصريح معالي وزير الاستثمار بضرورة تقليص الإنفاق الحكومي ليفسح صندوق الاستثمارات العامة المجال أمام القطاع الخاص، ليقوم بدوره بشكل اكثر فعالية. انقسمت القراءات والآراء بين من يرى في ذلك خطوة نحو الانضباط المالي، ومن يحذر من انكماش اقتصادي يضر بالنشاط المحلي.
ولكن هناك قراءات استندت إلى التحليل الاقتصادي الكلي، المبني على نماذج الدخل–الإنفاق والمضاعف الاقتصادي (Economic Multiplier)، لانه يقدم رؤية أعمق تميز بين خفض الإنفاق المالي وخفض الناتج القومي الفعلي (GNP).

ولكي نفهم السياق اشير إلى وجود فرق بين GDP وGNP. فالأول هو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) وهو يقيس قيمة السلع والخدمات المنتجة داخل حدود المملكة بغض النظر عن جنسية من أنتجها.
واما الناتج القومي الإجمالي (GNP) فهو يقيس الدخل الذي تحققه الجهات السعودية داخل المملكة وخارجها مطروحًا منه دخل الأجانب داخلها.

ولهذا في حالة الاقتصاد الوطني، GDP أكبر من GNP لأن نحو ٨٠٪ من العاملين في القطاعات العمالية هم من غير السعوديين، ما يؤدي إلى تحويلات خارجية تتجاوز ١٤٠ مليار ريال سنويًا. أي أن جزءًا من الناتج المحلي لا يتحول إلى دخل وطني صافٍ.
السؤال الذي يطرح نفسه ما هو: الأثر العلمي لتقليص الصرف الحكومي
في أي اقتصاد والإجابة وفق نموذج الدخل–الإنفاق:
Y = C + I + G + (X – M)
فإن خفض الإنفاق الحكومي (ΔG < 0) يؤدي إلى انخفاض في الناتج (ΔY < 0)، ويتضاعف الأثر بحسب المضاعف الاقتصادي (m):
ΔY = m × ΔG
وبالتطبيق على الاقتصاد السعودي، يتراوح المضاعف القطاعي بين 1.6 في البناء و1.9 في النقل واللوجستيات. أي أن تقليص الإنفاق بـ100 مليار ريال قد يخفض الناتج المحلي بما بين 160 و190 مليار ريال قبل أن يتوازن الاقتصاد.
ومع أن جزءًا من هذا الانكماش ينعكس بتراجع التحويلات الخارجية (ما يخفف أثره على GNP)، إلا أن الأثر الصافي يبقى سلبيًا ما لم يُعوض بزيادة في الاستثمار أو التصدير.

ومن جانب القيود الواقعية في سوق العمل القطاعات العمالية (Labour-Intensive) تواجه قيودًا هيكلية:
• العمالة السعودية تتركز في المدن الرئيسية، بينما المشاريع تمتد في المناطق الطرفية.
• القطاع العام اصبح منافس توظيف بأجور تفوق القطاع الخاص بـ30-40٪.
• متوسط دخل السعودي (حوالي ٧٥٠٠ ريال) أدنى من تكلفة المعيشة (٩٠٠٠ ريال).
وبالتالي، لا يمكن إحلال العمالة الوطنية محل الوافدة ببساطة دون رفع الإنتاجية وهيكل الأجور.

وأما كيف يُنفّذ الإصلاح ومن يموله؟
فان اغلب التحليل لا يدعو إلى مزيد من الإنفاق، بل إلى تحسين كفاءته وتمويله المشترك عبر أدوات علمية:
1. صناديق المطابقة (Matching Funds): تشارك الدولة بنسبة 30٪ في المشاريع التي ترفع المحتوى المحلي أو تُدخل الأتمتة.
2. سندات العائد الإنتاجي (Outcome Bonds): تُسدد من الأرباح الاقتصادية الفعلية كزيادة التوظيف أو الناتج.
3. ميزانية مبنية على المضاعف (Multiplier-Based Budgeting): توجّه الصرف نحو القطاعات ذات الأثر الأكبر على GNP.
4. رفع المحتوى المحلي من 35٪ إلى 50٪ خلال 3 سنوات مما يرفع المضاعف الصافي بنحو 0.2-0.3 نقطة لكل زيادة 10٪ في القيمة المحلية.

وقد يتساءل البعض لماذا هذا التحليل مهماً؟ لأنه ببساطة يحول الحوار من “كم نصرف؟” إلى “كيف نصرف؟”.
لان التحليل بالمضاعف الاقتصادي يربط السياسة المالية بالنتائج التنموية، ويمنع قرارات تقشفية تؤدي إلى خسائر اقتصادية أكبر من الوفر المالي.
فعندما يُعاد توجيه كل ريال نحو نشاط يولد 1.8 إلى 2 ريال في الناتج المحلي وقيمًا مضافة سعودية أعلى، يتحول التقليص من خطر إلى إصلاح ذكي يرفع الناتج القومي ويقلل التسرب الخارجي.
وخلاصة الأمر أن تقليص الإنفاق دون بديل استثماري نوعي يُضعف النمو، ولكن إعادة هيكلة الصرف وفق المضاعف الاقتصادي ترفع كفاءة كل ريال وتحوّله من إنفاق إلى استثمار. ولعل هذا الفهم العلمي، ما قصده معالي وزير الاستثمار بحيث يتحول شعار “خفض الصرف” إلى تعظيم الأثر الوطني لكل ريال سعودي، فيرتفع الناتج القومي الإجمالي GNP الحقيقي رغم تقليص الإنفاق الاسمي.
نسأل الله التوفيق والسداد لبلادنا وهي تمضي بخطى ثابتة نحو تحقيق مستهدفات رؤية ٢٠٣٠.

٣ نوفمبر ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى