محمد رسول الله: إشراقة الرسالة وضياء الدنيا
ان الآية الكريمة التي جاء نصّها: “محمد رسول الله والذين معه…” هي تاج سورة الفتح وهي الآية التي أعجزت البلغاء، إذ جمعت كل حروف العربية في جملة واحدة، لتكون شهادة أبدية على كمال الرسالة والبلاغ؛ والإيجاز والإعجاز. ومن معاني هذا الإعجاز ودلالته أن رسالة محمد ﷺ ليست لقوم أو زمن خاص، بل هي الدين الخاتم لكل البشر في كل مكان وزمان. وهذه الآية من بلاغتها جمعت في سطر موجز جوهر النبوة المحمدية بل وكل معاني الكمال في تبليغ الرسالة، ففي شهادة الله ان محمدًا رسول الله بيان للناس كافة أن الرسالة الاصطفائية ليست من صنع البشر بل من اختيار الحكيم العليم.
ولهذا فان قول الله “محمد رسول الله” هو تصريح أن هذا الدين وحيٌ منه وهو سبحانه وتعالى من اختار له رسولًا من البشر، وهو رسول مصطفى على علمه سبحانه وتعالى. فليس من العقل – يا عاقل – أن يتكفل الله بحفظ نصف دينه (القرآن)، ويترك النصف الآخر (السنة وكلام الرسول الذي أنزله الله معه) يضيع. وحيث أن الله وصف رسوله بأنه رسول لجميع الناس، ونصّ على ذلك في القرآن فانه لحكمة عظيمة، اصطفاه ليكون النبي الخاتم، ووعده بحفظ دينه كله إلى يوم الدين. لان الله الذي أرسل رسوله محمدًا بالهدى ودين الحقّ ، ارسله ببيان الحقّ للناس ودين الحقّ هو الإسلام قراناً وسنة. ويتضح ذلك في قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) اي : ليظهر دينه الحقّ الذي أرسل به رسوله على كلّ دين سواه، وذلك عند نـزول عيسى ابن مريم، وحين تصير الملة واحدة، فلا يكون دين غير الإسلام.
فمن ضيّع أو شكك في حفظ ما خرج من فيه النبي صلّ الله عليه وسلم فقد كذّب الكتاب الحق نفسه وطعن في حكمة الله، الذي يعلم حيث يجعل رسالته ويأمرنا باتباع رسوله وطاعته دون حرج أو تشكيك.
ولان بلاغة القرآن الكريم تكمن في الاستخدام الدقيق والمتقن للفروق اللغوية بين الكلمات المتشابهة، فان القرآن يختار الألفاظ التي تعكس أدق معاني المقاصد الإلهية، مما منح النص القرآني الذي ورد في سورة الفتح عمقًا وإعجازًا بلاغيًا لا نظير له. كما أن التناغم بين الشكل والمضمون يتجلى في اختيار كلمة بعينها (محمد رسول الله والذين معه..) في سياق محدد لتوضيح المعنى بدقة فائقة، يعتمد على الإيحاء بالكلمة ومعناها وجرسها، ويتضح هذا الإعجاز في التكريم الإلهي العظيم لمن نقل لنا هذا الدين : وكذلك في رفع مكانة الصحابة الكرام، فقد ذكرهم في وصف مشرق يدل على مكانتهم في القرآن: “أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا”؛ وقد خصهم الله بأنهم حملة دينه ونقلته الى الناس، وذِكر سيماهم وأثر العبادة في وجوههم كدليل على الإشادة بمن نقل وبلّغ أمانة السنة والوحي. وفي ختام الآية وعدٌ من الله بالمغفرة والأجر العظيم، لمن آمن وعمل الصالحات منهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وهذا إعظام لشأن من نقلوا إلينا الدين، وتحذير لكل من وقعت عليه الحجة ورد أمر الرسول وسنته من بعد علم، فقد رد بهذا الفعل أمر الله نفسه وكذّب كتابه، وأخرج نفسه عن دائرة الإيمان الصافي.
فالآية الكريمة اذن جامعة للإيمان: مؤكدة لحقيقة أن محمداً رسول الله إلى العالمين، ورسالة محفوظة، وان حفظ السنة والقرآن سواء لأنهما كلاهما من الله، وكلاهما من مشكاة واحدة وأن هناك تكريمٌ خالدٌ لنقلة هذه السنة وهذا الدين وحجّية مطلقة لرسول الله.
ولهذا يصح الاستنتاج بأن رسالة النبي محمد تشمل الجميع وتمتد عبر الزمن وهي محفوظة بحفظ القرآن وحفظ السنة وفي هذا تعبير عن تكريم عظيم لدين الإسلام خاتم الرسالات السماوية السابقة، وهي رسالة تتسم بالعالمية والشمول لجميع البشرية، وتُعد ناسخة لجميع الشرائع السابقة، ودعوتها عامة لتوحيد الله وإقامة العدل وقيام الأمم على مبادئ الإسلام. وقد حفظها الله بحفظه منذ ان بدأت في مكة المكرمة بالدعوة السرية ، ثم بالجهر بها، ثم خلال فترة انتشارها في الجزيرة العربية وانحاء العالم.
فمحمد والذين معه هم اصحاب الرسالة الخاتمة والخالدة، التي تميزت بشمولها في المكان فهي رحمة للعالمين، وبشمولها في الزمان فهي باقية ومحفوظة بوعد من الله إلى قيام الساعة ولا نبوّة بعد محمد، وبشمولها لكل حياة الإنسان فهي رسالة الدنيا والآخرة، ورسالة الفرد والمجتمع،ورسالة العقل والقلب، والمادة والروح. وصدق الله حينما وصف نبينا بقوله ( وَمَآ اَرْسَلْنٰكَ اِلاَّ رًَحْمَةً لِّلٍعٰالٓمِيْنَ).
