مجالسة اهل المعاصي في ضوء رؤية الامام الغزالي: نصيحة لشباب اليوم
سعيد محمد بن زقر
إذا افترضنا جدلاً أن حجة الإسلام الامام الغزالي علم بما يحدث من بعض الشباب المسلم فما الذي سيقوله لهم. لقد تخيل كاتب السطور النصائح التالية التي سيبدأها الامام الغزالي رحمه الله بالقول: يا بني الكريم… بلغني أن أقواماً من شباب المؤمنين في زماننا هذا قد اختلطت عندهم المفاهيم، والتبست لديهم الأولويات، حتى صار يجالس أهل المعاصي، ويحضر مجالس اللهو والمنكرات، ظناً منه أن هذا من باب الاختلاط المباح أو حسن المعاشرة مع الناس. بل وصل الأمر ببعض الأزواج – والعياذ بالله – أن يدفع بزوجته إلى هذه المجالس الفاسدة، غافلاً عن مسؤوليته أمام الله تعالى.
مخاطر مجالسة أهل المعاصي
اعلم – هداني الله وإياك – أن مجالسة أهل المعاصي من أعظم الآفات التي تصيب القلب وتفسد الدين، فالنفس مجبولة على التأثر بما تشاهد وتسمع، والطبع يسرق من الطبع. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل”.
وفي القرآن الكريم: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾. وقد جعل الله تعالى حاضر المنكر كفاعله.
التدرج في الفساد
الشيطان لا يدعو الإنسان دفعة واحدة إلى الكبائر، بل يبدأ بصغائر المعاصي والمجالس التي تبدو بريئة في الظاهر، حتى إذا ألفها الإنسان زين له ما هو أكبر منها. فكم من شاب بدأ بمخالطة أهل اللهو، ثم انتهى إلى ارتكاب الكبائر والفواحش.
مسؤولية الزوج في حماية أهله
من يقود أهله إلى هذه المجالس الفاسدة يخالف قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾. فواجب الزوج أن يحمي أهله، لا أن يقودهم إلى مواطن المنكرات.
موقف الزوجة من إكراه الزوج
على المرأة أن تعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا أُمرت بمعصية أو دُفعت إليها، فعليها أن ترفض وتتمسك بطاعة الله.
التعامل مع متغيرات العصر
تغير الزمان لا يغير الأحكام الشرعية، فما كان محرماً في عهد النبي صلّ الله عليه وسلم سيظل محرماً إلى يوم القيامة. وما كان مجالسة اهل المعاصي مذموماً في السابق فهو مذموم اليوم وﻓﻲ الغد. والحكمة تكمن في لا افراط ولا تفريط وذلك بتجنب العزلة الكاملة وعدم مشاركة أهل المعاصي في معاصيهم، بل استثمار العلاقة بالنصح والدعوة إلى الله.
الصحبة الصالحة والبديل المبارك
البحث عن الصحبة الصالحة هو البديل المبارك، فالصاحب ساحب. قال لقمان لابنه: “يا بني جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن القلوب تحيا بنور الحكمة كما تحيا الأرض بوابل السماء”.
وصية ختامية
فاتق الله يا بني في نفسك وأهلك، واعلم أن الدنيا دار امتحان وأن الآخرة هي دار القرار. واختر الصحبة التي تعينك على الطاعة، وابتعد عن كل من يدعوك إلى معصية الله، ولو كان من أقرب الناس إليك. والله المستعان وعليه التكلان.
تعزيز علمي للنصيحة
هذه الموعظة تتفق مع نتائج نظرية “تأثير التعرض المحض” لعالم النفس الاجتماعي روبرت زايونك، والتي تؤكد أن كثرة التعرض للأفكار والأشخاص تؤدي إلى الميل إليهم وتفضيلهم. لذا فإن مصاحبة الصالحين تُرسخ حب الطاعة والإيمان، ومخالطة أهل المعاصي تهون الذنوب في النفس وتزينها.
