ماذا يمكن لابن تيمية أن يقول لمن يطعن في السنة؟
سعيد محمد بن زقر
من المعروف أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان مدافعاً قوياً عن السنة النبوية، واتسمت جهوده العلمية في هذا المجال بالعديد من الجوانب التي ميزت مؤلفاته. فقد تصدى رحمه الله للانحرافات العقدية والفكرية التي رأى أنها تخالف جوهر السنة، وقام بتفنيدها والرد عليها بأسلوبه المتميز في الاستدلال والتحليل. كما كان حريصاً على إبراز أهمية السنة في فهم الإسلام وتطبيقه ودافع عن حجيتها وموقعها في التشريع الإسلامي. واذا كان سينصح جيلنا الحالي فانه سيخاطبه قائلاً
يا شبابًا نشأ في عصر تزاحمت فيه المعلومات، وتضاربت فيه الآراء، وكثرت فيه الشبهات حول دين الإسلام! إن الحديث الذي بين أيديكم اليوم ليس مجرد نص تاريخي، بل هو نبوءة صادقة من خير البشر محمد صلّ الله عليه وسلم، وهو تحذير نبوي لكل من يريد أن يتمسك بدينه في زمن الفتن.
فقد روى المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن رسول الله صلّ الله عليه وسلم قال:
“يوشِكُ أنْ يقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي، فيقولُ: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ، فما وجدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ”.
وحيث أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان صاحب بصيرة في فهم الحديث وانه عرف أغوار ومقاصد هذا الحديث وفهمه فهمًا عميقًا، وأدرك خطورة الفكر الذي يحذر منه النبي صلّ الله عليه وسلم، لهذا اورد في كتابه العظيم “مجموع الفتاوى” وكتابه “منهاج السنة النبوية”، رحمه الله أن من أخطر البدع التي تهدد الأمة هي بدعة إنكار السنة النبوية بحجة الاكتفاء بالقرآن. اذ نجد ابن تيمية تارة يقدم القرآن على السنة وتارة يجمع بينهما، حيث قصد من ذلك أنه إذا أراد تقوية سنة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وحض على اتباعها والعمل بها، قام بمساواتها بالقرآن اعتبارًا، أي أن أهميتها توازي في الالتزام أهمية القرآن كونها مصدرًا للتشريع مثل القرآن”.
وفي الواقع المعاصر وصدق النبوءة
سيقول شيخ الإسلام ابن تيمية : انظروا يا شباب الإسلام إلى دقة هذه النبوءة! ألا ترون اليوم من يجلس “متكئًا على أريكته” أمام شاشات الحاسوب ووسائل التواصل، فيسمع حديثًا من أحاديث رسول الله صلّ الله عليه وسلم، فيقول بكل استخفاف وجرأة: “نحن لا نحتاج إلا للقرآن! السنة فيها الصحيح والضعيف، والقرآن يكفينا!”.
هؤلاء الذين يسمون أنفسهم “القرآنيين” – وهم في الحقيقة ليسوا قرآنيين بل أعداء للقرآن – قد صدقت فيهم نبوءة المصطفى صلّ الله عليه وسلم.
موقف شيخ الإسلام من منكري السنة
لم يكن موقف ابن تيمية من منكري السنة موقفًا متساهلًا، بل كان موقفًا حازمًا مؤسسًا على العلم والعدل. فقد بيّن رحمه الله أن إنكار السنة النبوية كفر صريح، لأنه يؤدي إلى:
- معارضة القرآن الكريم الذي أمر بطاعة الرسول في آيات كثيرة
- تعطيل أحكام الدين التي لا يمكن فهمها إلا من خلال السنة
- اتباع الهوى بدلًا من اتباع الوحي
يقول شيخ الإسلام: “فإن الدعاة إلى البدع لا تُقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا”.
واما الرسالة إلى الشباب المسلم فانها ستكون:
أيها الشباب الأعزاء! إن الحديث يحذركم من فخ خطير ينصبه لكم أعداء الدين في هذا العصر. إنهم يريدون أن:
- يفصلوكم عن سنة نبيكم ، فتضلوا الطريق وتتخبطوا في فهم دينكم، لأن القرآن يحتاج إلى السنة ليُفهم ويُطبق. والاسئلة التي يجب أن تكون في الحسبان كيف ستعرفون اداء الصلاة؟ وكيف تزكون؟ وكيف تحجون؟ فالقرآن أمر بهذه العبادات، ولكن التفاصيل في السنة!
انهم يريدون أن يزرعوا فيكم الشك ليس في السنة فقط بل ايضاً في علماء الأمة وأئمتها الذين حفظوا لنا الدين عبر القرون، وكانوا أمناء على نقل السنة كما كانوا أمناء على نقل القرآن.
أنهم يسعون ليجعلوكم تتبعون أهواءكم بحجة أن كل واحد يستطيع أن يفهم القرآن بعقله، فتصيروا شيعًا وأحزابًا، كل حزب بما لديهم فرحون.
فما هو منهج شيخ الإسلام في التعامل مع المبتدعة في زمانه وفي وقتنا الحاضر؟
علّمنا ابن تيمية منهجًا متوازنًا في التعامل مع هؤلاء المنحرفين:
العلم والعدل
“والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، كحال أهل البدع”. فلا نحكم عليهم بالظن، بل بالبرهان والدليل.
الحكمة في الدعوة
فمنهم الجاهل الذي يُعلّم، ومنهم المعاند الذي يُحذر منه ويُهجر.
الحزم مع الرحمة
“فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة، سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج عنها… ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم”.
دروس عملية للشباب
- تعلموا دينكم من مصادره الصحيحة ولا تكتفوا بما تسمعونه في وسائل التواصل، بل ارجعوا إلى كتب العلماء المعتبرين مثل ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أئمة الهدى.
- احذروا من الشبهات
تذكروا قول ابن تيمية: “لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُردّ إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلمٍ وعدلٍ”. - كونوا دعاة إلى الحق
“وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان: فيهم العلم والعدل والرحمة”. فكونوا منهم، وانتم تدعون إلى التمسك بالكتاب والسنة معًا. - لا تنخدعوا بالشعارات
من يقول “القرآن يكفينا” هو في الحقيقة يعادي القرآن، لأن القرآن أمر بطاعة الرسول.
ولا شك أن شيخ الإسلام ابن تيمية سيختم رسالته لشباب الأمة بجرعة من الأمل وسينادي يا شباب الأمة! إن في هذا الحديث النبوي بشرى وامل أيضًا، وهي أن الحق سيبقى واضحًا لمن أراد الهداية. فقول النبي صلّ الله عليه وسلم: “ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله” هو إقرار نبوي بأن السنة ستبقى محفوظة وأن حجيتها ستبقى واضحة لأهل العلم والإيمان. تمسكوا بدينكم، والتزموا بسنة نبيكم، واتبعوا منهج السلف الصالح الذي وضحته فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإن في ذلك النجاة في الدنيا والآخرة.
“وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا” صدق الله العظيم. وسيختم شيخ الإسلام بقوله والله أعلم، وصلّ الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
